أخبار متنوعة

المحكمة الدستورية تنتصر للدستور وتضع حدًا لمحاولات تطويع الصحافة

الأسود : عبد القادر بلمكي

في خطوة دستورية بالغة الدلالة، أعادت المحكمة الدستورية تصويب مسار تشريعي كان ينذر بانحراف خطير، بعدما تفاعلت مع الطعن الذي تقدمت به المعارضة بخصوص مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة، وأسقطت ست مواد محورية ثبت تعارضها الصريح مع الدستور، نصًا وروحًا.
قرار المحكمة لم يكن مجرد إجراء قانوني أو تصحيح تقني، بل جاء محمّلًا برسائل سياسية ومؤسساتية قوية، تؤكد أن الدستور يظل المرجعية العليا التي لا تعلو عليها أي اعتبارات ظرفية أو حسابات مصلحية، وأن محاولات إخضاع التشريع لمنطق التحكم في المهنة أو الهيمنة على مؤسساتها، مآلها السقوط أمام الرقابة الدستورية.
المواد التي جرى إسقاطها، والمتعلقة بتشكيلة المجلس، ونسبة تمثيلية الناشرين، وصلاحيات رئيس المجلس، وكذا لجنة التأديب الاستئنافية، كانت تشكّل جوهر اختلال بنيوي يمس مبدأ التوازن داخل مؤسسة يُفترض أن تحمي استقلال الصحافة، لا أن تُدار بمنطق الغلبة العددية أو النفوذ الإداري.
وبهذا القرار، أعادت المحكمة الدستورية الاعتبار للصحافة باعتبارها سلطة مجتمعية مستقلة، وأكدت أن تنظيم المهنة يجب أن يتم داخل الإطار الدستوري، لا خارجه، وأن لا جهة، مهما بلغت قوتها، يمكنها فرض تشريعات تمس جوهر التعددية، أو تُفرغ التمثيلية المهنية من مضمونها.
كما أن استجابة المحكمة لطلب المعارضة تُجسد من جديد دورها كحَكَم أعلى بين السلط، وضامن للتوازن المؤسساتي، وتؤكد أن الاحتكام إلى الدستور هو الطريق السليم لحسم القضايا الخلافية الكبرى، بدل منطق الأمر الواقع أو تمرير القوانين تحت ضغط الأغلبية العددية.
وفي سياق تعيش فيه الصحافة المغربية تحديات وجودية معقدة، يأتي هذا القرار ليبعث برسالة طمأنة واضحة إلى الجسم الصحفي، مفادها أن هناك مؤسسة دستورية يقظة تسهر على حماية استقلال المهنة، وتصون حق الصحفيين في تنظيم مهني عادل، متوازن، ومحصن من كل أشكال التوظيف أو التحكم.
إن ما قامت به المحكمة الدستورية يتجاوز إسقاط مواد قانونية، ليُشكل دفاعًا صريحًا عن دولة القانون، وعن روح الدستور، وعن المكانة المحورية للصحافة داخل البناء الديمقراطي المغربي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى