
تسجيل جريء يثير أسئلة حول التضامن والنفوذ والمال العمومي… فمن يحمي استقلالية الصحافة الرياضية؟
استوقفني كثيراً التسجيل الذي قدمه أحد الصحفيين المعروفين بجدّيته وجرأته وغيرته على مهنة الصحافة. وبعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض ما جاء فيه، فإن ما يميزه هو أنه فتح نقاشاً حول أسئلة يفضل البعض عدم الاقتراب منها.
التسجيل يطرح سؤالاً واضحاً: لماذا هذه الموجة من التضامن مع شحتان؟ ومن هم المتضامنون، وما الذي يجمع بينهم؟
صاحب التسجيل تحدث عن ثلاث فئات، هي بعض الصحفيين، وبعض الفنانين، وبعض الرياضيين، مؤكداً أن حديثه لا يشمل الجميع. وربط ذلك، حسب قراءته، بعلاقات مهنية ومصالح محتملة، وبالاستفادة من فرص مرتبطة بالإنتاج أو التظاهرات الرياضية أو الدعم والإشهار.
وفي حديثه عن الصحافة، أثار المتدخل قضية أكثر حساسية تتعلق بآليات الدعم والإشهار العمومي، وبكيفية وصول بعض المؤسسات الإعلامية إلى فرص التغطية والسفر والاستفادة من التظاهرات الكبرى، داعياً بشكل غير مباشر إلى طرح السؤال حول مدى وضوح وشفافية هذه المسارات.
كما انتقد ما سماه «صحافة التشهير»، متحدثاً عن استهداف الحياة الخاصة والأسر، ومستحضراً قضايا وأمثلة قال إنها تعكس خطورة هذا النوع من الممارسة الإعلامية.
لكن القضية، في رأيي، لا يجب أن تتوقف عند شخص أو موقع أو موجة تضامن.
السؤال الأكبر هو: ماذا حدث للصحافة الرياضية المغربية؟
فقد راكم صحفيون ومصورون ومراسلون سنوات طويلة من العمل في الملاعب، قبل أن يشعر عدد من أبناء المهنة، حسب ما يطرح في هذا النقاش، بأن حضورهم تراجع وأن المجال أصبح مختطفا وغريبا وشاذا ومتحورا.
وهنا تبرز قضية تستحق النقاش الهادئ: هل أصبحت العلاقات والمصالح والنفوذ تلعب دوراً أكبر من الكفاءة المهنية في تحديد من يحضر ومن يغيب عن بعض التظاهرات الرياضية؟!.
وهل الدعم والإشهار العمومي يتم تدبيرهما وفق معايير نزيهة ومنصفة للجميع؟
هذه ليست إدانة لأحد، وإنما أسئلة مهنية مشروعة.
فالمال العمومي ليس امتيازاً شخصياً، والدعم والإشهار ينبغي أن يخضعا لمعايير محددة، كما أن الصحافة الرياضية ليست ملكاً لجمعية تمثل فئة من الناشرين، أو شخص منفوخ ب”جنون العظمة” أو مؤسسة بعينها، بمنطق “المغرب لنا لا لغيرنا”.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا ينبغي أن تُبحث فقط عند من استفاد من الوضع، بل أيضاً عند الجهات التي وضعت القواعد وفتحت الأبواب وسمحت بتشكل هذا المشهد المقرف والبئيس.
إذا كان هناك بالفعل تهميش لأبناء المهنة الشرعيين، أو خلل في توزيع الفرص، أو غياب للشفافية، فإن المطلوب ليس تبادل الاتهامات، وإنما توضيح الحقائق وفتح النقاش ومراجعة الاختلالات، وتصحيح الوضعية على أساس الأهلية والشرعية واستقلالية التنظيم الذاتي للصحافيين الرياضيين.
وفي النهاية، قد نختلف مع صاحب التسجيل في أسلوبه أو بعض استنتاجاته، لكن يبقى السؤال الذي طرحه جديراً بالبحث:
من المسؤول عن واقع الصحافة الرياضية اليوم؟ ومن سيعيد الاعتبار للصحفيين والمصورين الذين صنعوا تاريخها؟
الصحافة الرياضية ليست غنيمة ولا مجالاً للامتيازات، بل مهنة تقوم على الاستقلالية والمهنية والنزاهة.
ولهذا، فإن التنويه بالصحفيين الذين يتحلون بالشجاعة والنزاهة والغيرة على المهنة ليس دفاعاً عن شخص ضد آخر، وإنما هو دفاع عن قيم التعددية والمنهجية الديمقراطية، ومبدأ التخصص، وعن صحافة حرة ومستقلة تستحق أن تستعيد مكانتها واحترامها، بعيدا عن تهافت المتهافتين والتافهين.





