البطولة الاحترافية إنوي1

قراءة استقرائية في المشهد الإداري للمغرب الفاسي: حينما تؤسس الاستقالة لـ “حكامة الكيان” وتُنهي “زمن الشخصنة”

الأسود : ريفي مفيد محمد

 

 

​إن القراءة المتأنية في مشهد استقالة السيد محمد بوزوبع من رئاسة الجمعية الرياضية للمغرب الفاسي، تقودنا إلى استقراء أبعاد أعمق تتجاوز مجرد تغيير في المناصب الإدارية، لتكشف عن تحول بنيوي وجذري في الفلسفة التسييرية لواحد من أعرق الأندية الوطنية.
فهذا الحدث، في جوهره، ليس انسحاباً أو أزمة كما جرت العادة في المشهد الكروي المغربي عند استقالة الرؤساء، بل هو تمرين ديمقراطي ومؤسساتي يعكس نضجاً في تطبيق مشروع “الشركة الرياضية”، ويؤسس لقطيعة فعلية مع نموذج “الرئيس الأوحد” الذي يربط مصير النادي بوجوده.
​أولى الدلالات المستقراة من هذا الحدث هي التفعيل الحقيقي لمبدأ “فصل السلطات الرياضية” بين الجمعية والشركة.
فاحتفاظ السيد بوزوبع بصفته المستثمر الأول ومالك أغلبية الأسهم داخل الشركة الرياضية، مقابل تخليه عن الرئاسة الإدارية للجمعية، يترجم وعياً متقدماً بضرورة الفصل بين “رأس المال” الذي يضمن الاستدامة المالية، وبين “التسيير اليومي” الذي يتطلب تفرغاً وتدبيراً تنظيمياً مستقلاً.
هذه الخطوة تحمي النادي من الارتهان للمزاجية الفردية وتخضع ماليته ومشاريعه لمنطق المؤسسات والشركات الاحترافية التي تُدار بمجالس الإدارة وليس بالعواطف.
​من زاوية أخرى، يعكس التنزيل السلس للفصل الثالث والعشرين من القانون الأساسي، وتكليف السيد علي بنجلون بالرئاسة المؤقتة دون إحداث أي فراغ إداري أو صراعات أجنحة، انتصاراً لمنطق “المؤسسة” على حساب “الأشخاص”. فالأندية الكبيرة هي تلك التي تمتلك آليات ذاتية لتجديد نخبها وضمان سيرورة عملها مهما تغيرت الأسماء، وهو ما قدم فيه المغرب الفاسي درساً في الحكامة وتدبير المراحل الانتقالية بهدوء، مستفيداً من تلاحم مكوناته واصطفافها خلف المشروع وليس خلف الفرد.
​أما تدخل “مجلس الحكماء” واقتراحه تنصيب بوزوبع رئيساً له، فهو استقراء واضح لسياسة “لمّ الشمل” التي ينهجها النادي.
فالغاية هنا هي خلق توازن استراتيجي يحفظ كرامة ومكانة الداعمين الماليين والتاريخيين، ويبقيهم في دوائر الاستشارة وصناعة القرار الاستراتيجي كقوة اقتراحية مرجعية، تاركين ساحة التنفيذ والتسيير الميداني للطاقات الجديدة التي سيكرسها الجمع العام الاستثنائي.
​بناءً على ما سبق، يمكن استنتاج أن ما يعيشه المغرب الفاسي اليوم هو ولادة حقيقية لـ “نادي المؤسسات”.
لقد أدرك “الماص” أن التحالف المتين بين أبنائه، المبني على توزيع واضح للأدوار بين المستثمر والمسير والحكيم، هو الدرع الواقي ضد الهزات.
إنها خطوة استباقية ترسل إشارات طمأنة للشركاء الاقتصاديين والجماهير على حد سواء، مؤداها أن المغرب الفاسي قد غادر نهائياً مربع الارتجالية، ودخل مرحلة التدبير الاحترافي المستدام الذي يضع مصلحة الكيان فوق كل الاعتبارات الشخصية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى