أخبار متنوعة

حين تصبح سترة «PHOTO» بلا معنى… من يحمي مهنة التصوير الصحفي الرياضي بالمغرب؟

الأسود : عبد القادر بلمكي

 

 

لم تعد الصورة التي التقطت خلال المباراة الأخيرة التي جمعت المنتخب الوطني المغربي بنظيره الغابوني مجرد مشهد عابر داخل الملعب، بل أصبحت، بالنسبة إلى كثير من المهنيين، صورة تختزل واقعاً مقلقاً تعيشه الصحافة الرياضية المغربية، وخاصة مهنة التصوير الصحفي الرياضي.

المشهد كان لافتاً: عدد كبير من الأشخاص في المنطقة المخصصة للمصورين، بعضهم يحمل معدات تصوير احترافية، فيما يظهر آخرون وهم يعتمدون أساساً على الهواتف المحمولة لتوثيق المباراة.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة:

من يمنح الاعتماد؟ وعلى أي أساس؟ ومن يحدد من هو المصور الصحفي الرياضي؟

السؤال ليس موجهاً ضد الهاتف، ولا ضد الصحافة الرقمية، ولا ضد الجيل الجديد من صناع المحتوى، وإنما ضد الخلط في الصفات المهنية وفي طبيعة الاعتمادات، وضد تحويل الاعتماد الصحفي إلى مجرد وسيلة للولوج إلى أرضية الملعب.

فالتصوير الصحفي الرياضي مهنة لها قواعدها، وأخلاقياتها، وتقنياتها، وتاريخها، وأهلها الذين أفنوا سنوات طويلة في الملاعب، وحملوا كاميراتهم وعدساتهم لتوثيق لحظات أصبحت جزءاً من ذاكرة الرياضة المغربية.

«PHOTO» ليست مجرد سترة

السترة التي تحمل كلمة PHOTO يفترض أن تكون مرتبطة بمهمة مهنية واضحة، وليست مجرد بطاقة عبور إلى المنطقة المحاذية للملعب.

فالمصور الصحفي الرياضي لا يوجد هناك للسياحة أو لمتابعة المباراة من مكان أفضل، وإنما لأداء مهمة صحفية محددة، وفق قواعد تفرضها طبيعة المنافسة وتعليمات الجهة المنظمة.

ومن الطبيعي أن تتطور وسائل التصوير، وأن يصبح الهاتف جزءاً من أدوات الإعلام الحديث، لكن التطور التكنولوجي لا يلغي الصفة المهنية ولا يلغي الحاجة إلى معايير واضحة للاعتماد.

وهنا تحديداً تكمن المشكلة.

هل كل من يدير صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي ويصور مباراة بهاتفه يمكن أن يحمل الصفة نفسها التي يحملها المصور الصحفي المهني؟

المصور الصحفي ليس مؤثراً… والمؤثر ليس بالضرورة صحفياً

لا شك أن مواقع التواصل الاجتماعي غيرت المشهد الإعلامي بشكل جذري.

ظهرت الصحافة الرقمية، وصناع المحتوى، والمؤثرون، وأصحاب الصفحات الرياضية، وأصبح لهم حضور وتأثير في متابعة الأحداث الرياضية.

وهذا واقع لا يمكن إنكاره ولا ينبغي محاربته.

لكن وجود هذه الفئات لا يعني بالضرورة أنها تحمل الصفة المهنية نفسها التي يحملها الصحفي أو المصور الصحفي العامل لفائدة مؤسسة إعلامية أو وكالة أو منبر صحفي.

المطلوب إذن ليس إقصاء أحد، وإنما تنظيم العلاقة بين مختلف الفئات.

صحفي، مصور صحفي، مصور فيديو، مراسل رقمي، صانع محتوى، مؤثر أو صاحب صفحة… لكل فئة طبيعتها ومهمتها، ويمكن تنظيم وجودها داخل الملاعب وفق تصنيف واضح للاعتمادات ومناطق العمل.

أما أن تختلط كل هذه الصفات تحت عنوان واحد هو «الصحافة»، فهنا يبدأ الخلل.

لكن أين اختفى التأطير المهني؟

إذا كان مشهد مباراة واحدة قد أعاد طرح هذه الأسئلة، فإن المشكلة في حقيقتها أعمق من مجرد اعتماد هنا أو سترة هناك.

إنها مرتبطة أيضاً بالتراجع الكبير للدور الذي كانت تلعبه الجمعيات المهنية للصحفيين والمصورين الرياضيين في تأطير المهنة.

فالجمعيات المهنية، في مراحل سابقة، لم تكن مجرد هياكل إدارية أو أسماء على الورق، وإنما كانت تؤدي أدواراً أساسية في التكوين، والتأطير، والدفاع عن المهنيين، والتواصل مع المؤسسات الرياضية، والمساهمة في تنظيم العلاقة بين الصحافة والجامعات والأندية والجهات المنظمة.

وكانت تشكل، بالنسبة للعديد من المهنيين، حلقة وصل بين أهل الميدان والمؤسسات المسؤولة عن تنظيم المنافسات.

لكن، مع مرور السنوات، تراجع هذا الدور، وغابت أو ضعفت مساهمة عدد من التنظيمات المهنية في تدبير هذا الملف، وهو ما خلق، بحسب قراءة عدد من المهنيين، فراغاً تنظيمياً ومهنياً كبيراً.

حين يُبعد أهل المهنة عن تدبير شؤون المهنة

وهنا تطرح قضية أخرى نفسها بقوة.

فمن بين الإشكالات التي يتحدث عنها المهنيون، إسناد بعض أوجه تدبير الشأن الصحفي الرياضي إلى أشخاص لا يتوفرون بالضرورة على تجربة ميدانية كافية في الصحافة الرياضية والتصوير الصحفي الرياضي.

وهذا الأمر، إذا تأكد في حالات معينة، يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى الاستماع إلى أهل المهنة عند وضع قواعد الاعتماد وتنظيم العمل الصحفي داخل الملاعب.

فالصحافة الرياضية ليست مجرد لوائح أسماء أو إجراءات إدارية.

إنها مهنة لها خصوصياتها، والمصور الذي قضى عشرات السنين خلف خط التماس، والصحفي الذي عاش تفاصيل المنافسات من قلب الميدان، أدرى من غيره بمشاكل المهنة وحاجياتها.

ومن هنا فإن إبعاد الهيئات المهنية الجادة عن النقاش، أو تقليص دورها، لا يمكن إلا أن يترك فراغاً.

وحين يغيب أهل المهنة عن تدبير شؤون مهنتهم، فمن الطبيعي أن تتسع مساحة الاجتهادات والاختلالات.

الفراغ فتح الباب أمام الخلط

وهذا الفراغ هو الذي ساهم، في نظر عدد من المهنيين، في ظهور وضعية أصبح فيها من الصعب أحياناً التمييز بين الصحفي المهني وصانع المحتوى وصاحب الصفحة والمؤثر.

لا يتعلق الأمر هنا بالتشهير بأي شخص، ولا بالطعن في حق أي جهة في ممارسة نشاطها الإعلامي، وإنما بطرح سؤال مهني واضح:

هل توجد اليوم معايير موحدة وشفافة تحدد من يستحق اعتماداً صحفياً، ومن يستحق اعتماد مصور، ومن يدخل بصفته صانع محتوى؟

إذا كانت الإجابة نعم، فمن حق المهنيين معرفة هذه المعايير.

وإذا كانت هناك معايير، فمن حقهم أيضاً معرفة مدى تطبيقها على الجميع دون استثناء.

من المسؤول عن الاعتمادات؟

إن النقاش الحقيقي يجب أن يتجه إلى منظومة الاعتماد نفسها:

من يستقبل طلبات الاعتماد؟

من يدرس الملفات؟

ما هي الوثائق المطلوبة؟

هل يتم التحقق من المؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها طالب الاعتماد؟

هل يتم التمييز بين المصور الصحفي ومصور الفيديو وصانع المحتوى؟

هل هناك سقف محدد للاعتمادات حسب طبيعة الملعب؟

وهل تتم مراقبة استعمال الاعتماد بعد منحه؟

وهل للجمعيات المهنية المتخصصة أي دور استشاري في هذه العملية؟

هذه ليست أسئلة للتشويش، وإنما أسئلة مهنية مشروعة، لأن الاعتماد الصحفي يمنح صاحبه امتيازاً لا يحصل عليه الجمهور العادي.

رحمة الله على الصحافة الرياضية؟

ربما يكون من المبكر إطلاق حكم نهائي على واقع الصحافة الرياضية المغربية، لكن من الصعب أيضاً تجاهل التحولات التي يعرفها الميدان.

فإذا استمر الخلط بين المهنة والمحتوى، وبين الصحفي وصاحب الصفحة، وبين المصور الصحفي وصانع المحتوى، فإن مهنة التصوير الصحفي الرياضي ستكون أول المتضررين.

والمؤسف أن المصورين المهنيين الذين راكموا عشرات السنين من الخبرة، واستثمروا أموالاً كبيرة في الكاميرات والعدسات ومعدات العمل، يجدون أنفسهم أحياناً وسط مشهد لا يعكس قيمة هذه المهنة ولا تاريخها.

هؤلاء هم الذين وثقوا أهداف المنتخب، وانتصارات الأندية، والبطولات القارية والدولية، واللحظات الإنسانية التي لا تستطيع الكلمات أحياناً وصفها.

لقد صنعوا ذاكرة الرياضة المغربية بالصورة.

المطلوب ليس الإقصاء… بل إعادة التنظيم

اليوم، لا أحد يطالب بإغلاق الباب أمام الصحافة الرقمية، ولا بمنع صناع المحتوى من تغطية الرياضة.

المطلوب أبسط من ذلك وأكثر وضوحاً:

إعادة بناء منظومة مهنية للاعتمادات.

منظومة تعترف بالتطور الرقمي، لكنها تحافظ في الوقت نفسه على هوية الصحافة المهنية.

منظومة تضع معايير واضحة، وتحدد المسؤوليات، وتصنف الاعتمادات، وتحترم خصوصية المصورين الصحفيين، وتعطي للجمعيات المهنية الجادة دورها في التأطير والتكوين والدفاع عن المهنة.

فالجمعيات المهنية ليست خصماً للمؤسسات الرياضية، ولا منافساً لها، بل يمكن أن تكون شريكاً مهنياً حقيقياً في تنظيم القطاع إذا تم إشراكها والاستماع إلى أهل الميدان.

وفي انتظار فتح هذا النقاش، يبقى السؤال معلقاً:

من يحمي مهنة التصوير الصحفي الرياضي بالمغرب؟

ومن يحمي المصور الذي أفنى عمره خلف الكاميرا؟

ومن يضع الحدود بين الصحافة المهنية والمحتوى الرقمي؟

ومن يعيد للجمعيات المهنية دورها في تأطير الممارسين؟

ومن يراجع منظومة الاعتمادات حتى لا تصبح سترة «PHOTO» مجرد وسيلة للوجود داخل الملعب؟

المشكل ليس في الهاتف… وليس في الصحافة الرقمية… وليس في الجيل الجديد.

المشكل في غياب الحدود المهنية الواضحة، وفي غياب التأطير، وفي ترك فراغ يمكن أن تملأه الفوضى.

ولذلك فإن ما حدث ويحدث داخل بعض الملاعب يجب ألا يمر مرور الكرام.

فـالصورة الرياضية ليست مجرد محتوى للنشر… إنها وثيقة، وذاكرة، ومهنة.

وحماية هذه المهنة ليست مسؤولية المصورين وحدهم، وإنما مسؤولية كل من له علاقة بتدبير وتنظيم المشهد الرياضي والإعلامي بالمغرب.

فإذا غاب أهل المهنة عن الميدان، فمن الطبيعي أن يدخل إليه من لا يعرف قواعده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى