أخبار الجامعات

حين يصبح حق الرد درساً في أخلاقيات الصحافة

الأسود : عبد القادر بلمكي

ضوء العدسة

أحياناً لا يكون الرد على مقال صحفي مجرد محاولة لتصحيح معلومة أو توضيح موقف، بل يتحول، من حيث لا يقصد صاحبه، إلى فرصة للحديث عن شيء أكبر من المقال نفسه: ما هي الصحافة الجادة؟ وما حدود النقد؟ وما معنى حق الرد؟ وأين تنتهي المساءلة الصحفية وتبدأ الشخصنة؟

وصلنا مؤخراً رد حول أحد المواضيع المنشورة بشأن الجامعة الملكية المغربية لهوكي الجليد، وهو رد نحترم حق صاحبه في التعبير عنه، بل نعتبر أن مجرد اللجوء إلى حق الرد هو أمر إيجابي في حد ذاته.

فالصحافة المهنية لا تخشى الردود، ولا تخشى التصحيح، ولا تخشى النقد.

بل إن حق الرد مكفول للجميع، سواء تعلق الأمر بمؤسسة أو مسؤول أو رياضي أو أي شخص يرى أن معلومة نشرت بشأنه تحتاج إلى توضيح أو تصحيح.

لكن حق الرد، في المقابل، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للهروب من الأسئلة التي طرحتها المادة الصحفية، أو إلى نقاش حول شخص الصحفي وماضيه المهني وعلاقاته السابقة.

فالصحفي لا ينبغي أن يُحاكم على شخصه، وإنما على ما يكتب، وعلى الوثائق التي يستند إليها، وعلى مدى احترامه لقواعد المهنة.

الصحافة لا تبحث عن الفضائح

هناك فرق كبير بين صحافة تبحث عن الإثارة، وصحافة تبحث عن الحقيقة.

الصحافة الجادة لا تستيقظ كل صباح وهي تبحث عن «فضيحة»، ولا تعتبر كل سؤال اتهاماً، ولا كل تحقيق إدانة.

وظيفتها الأساسية هي أن تسأل عندما تكون هناك أسئلة، وأن تبحث عندما تكون هناك معطيات تستحق التحقق، وأن تضع الوثائق أمام الرأي العام عندما يكون نشرها مشروعاً وذا قيمة إخبارية.

النقد الصحفي لا يعني الهدم.

بل يمكن للنقد المهني أن يكون واحداً من أهم عناصر بناء المؤسسات، لأنه يكشف مكامن الخلل ويفتح المجال أمام التوضيح والتصحيح.

وإذا كانت المؤسسة سليمة في موقفها، فما عليها إلا أن تجيب.

وإذا كانت الوثيقة قد أسيء فهمها، فلتقدم الوثيقة كاملة وتشرح مضمونها.

وإذا كانت المعلومة غير صحيحة، فحق الرد والتصحيح موجود.

وهنا تنتهي المسألة بكل بساطة.

الوثيقة هي الفيصل

من أكثر العبارات التي تستوقف الصحفي المهني عبارة: «أين الوثيقة؟».

والجواب بسيط:

الوثيقة هي الفيصل.

إذا كان هناك خلاف حول مضمون وثيقة، فلا حاجة إلى تبادل الاتهامات أو إطلاق الأحكام؛ يكفي وضع الوثيقة الأصلية أمام الرأي العام، وقراءتها في سياقها الكامل، وتحديد الجهة التي أصدرتها، والتاريخ، والصفة، والمضمون.

فالصحافة لا تبنى على الانطباعات.

والتحقيق الجاد لا يبنى على «قيل» و«يقال».

والمادة الصحفية المهنية تحتاج إلى مصادر، وإلى وثائق، وإلى مقاطعة المعلومات والتحقق منها.

وهذه ليست امتيازات للصحفي، وإنما أبجديات المهنة.

ومصادر الصحفي ليست موضوعاً للمزايدة

من حق الصحفي أن تكون له مصادره المهنية، كما أن من واجبه أن يتحقق من المعلومات التي يحصل عليها منها.

المصدر ليس دائماً وثيقة، والوثيقة ليست دائماً كافية وحدها لفهم الحقيقة كاملة.

ولهذا فإن الصحفي الجيد يعمل على المقارنة بين المعطيات، ويبحث عن أكثر من مصدر، ويحاول التأكد من المعلومات قبل نشرها.

أما مطالبة الصحفي في كل مرة بالكشف عن مصادره، فليست هي الطريقة الصحيحة لمناقشة المادة الصحفية.

الطريقة المهنية هي تقديم المعلومة المقابلة، والوثيقة المقابلة، والتوضيح المقابل.

عندها يصبح النقاش مفيداً للرأي العام.

لا نخلط بين السؤال والحكم

وهنا نقطة أساسية كثيراً ما يقع فيها الخلط.

عندما يطرح الصحفي سؤالاً حول وضعية قانونية أو إدارية أو تنظيمية، فهذا لا يعني أنه أصدر حكماً نهائياً.

هناك فرق بين أن تقول:

«هناك تساؤلات تستحق التوضيح»

وأن تقول:

«هناك مخالفة ثابتة».

الأولى وظيفة صحفية مشروعة متى كانت مبنية على معطيات، أما الثانية فتحتاج إلى أدلة قاطعة ومسؤولية أكبر في الصياغة.

ولهذا فإن الصحافة الجادة مطالبة دائماً بالتمييز بين المعلومة، والسؤال، والتحليل، والاستنتاج.

الإنجازات لا تمنع المساءلة

ومن حق أي مؤسسة رياضية أن تفتخر بما حققته من إنجازات وتنظيمات وتظاهرات دولية.

ومن حق الصحافة أيضاً أن تغطي تلك الإنجازات وتشيد بما يستحق الإشادة.

لكن نجاح مؤسسة في تنظيم تظاهرة أو تحقيق إنجاز رياضي لا يعني أن كل الأسئلة الأخرى يجب أن تختفي.

الإنجازات تُغطى، والاختلالات المحتملة تُسأل عنها، والاثنان يمكن أن يوجدا في الوقت نفسه.

فالصحافة ليست علاقات عامة، كما أنها ليست خصومة دائمة مع المؤسسات.

هي ببساطة عين تراقب، وعدسة توثق، وقلم يسأل.

كلمة إلى الزملاء والمسؤولين

إلى كل مسؤول يشعر أن مقالاً صحفياً أساء إلى مؤسسته، نقول:

لا تغضب من السؤال… أجب عنه.

لا تهاجم الصحفي… قدم الوثيقة.

لا تشكك في نواياه… ناقش معلوماته.

وإذا أخطأ، فصحح له بالدليل.

فالصحفي المهني لا يخسر عندما يصحح خطأه؛ بل يخسر عندما يعرف الخطأ ويتمسك به.

وفي المقابل، على الصحفي أن يعرف أن الحرية مسؤولية، وأن الوثيقة أمانة، وأن سمعة الأشخاص والمؤسسات ليست مادة للمزايدة أو التشهير.

وأخيراً…

ربما يكون أجمل ما يمكن أن نخرج به من أي سجال إعلامي هو أن نتذكر أن الصحافة ليست معركة بين أشخاص.

إنها معركة من أجل الحقيقة.

وإذا كان لكل مؤسسة حق في الدفاع عن صورتها، فإن للمجتمع أيضاً حقاً في معرفة الحقيقة.

وإذا كان للمسؤول حق الرد، فإن للصحفي حق السؤال.

وإذا كانت المؤسسة تملك الوثائق، فالصحافة تملك حق الاطلاع عليها ومناقشة مضمونها وفق القانون وقواعد المهنة.

وفي النهاية، لا الصحفي هو الحقيقة، ولا المسؤول هو الحقيقة.

الحقيقة أكبر من الجميع.

ولهذا ستظل القاعدة التي نؤمن بها بسيطة:

الصحافة الجادة لا تهدم… بل تبني بالنقد.

لا تشهر… بل تسائل.

لا تدين مسبقاً… بل تبحث وتتحقق.

ولا تخشى حق الرد… لأنها تؤمن أن الوثيقة والدليل هما الفيصل.

وهكذا تبقى العدسة شاهدة، والقلم مسؤولاً، والحقيقة هي الهدف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى