أخبار متنوعة

حين يصبح الإعلام أقل من صورة الوطن… فهذه ليست أزمة صحافة فقط، بل أزمة مسؤولية

الأسود : عبد القادر بلمكي مصور صحافي رياضي مهني مغربي

 

صديقي العزيز يونس خراشي،

قرأت كلماتك أكثر من مرة، ولم أجد فيها مبالغة بقدر ما وجدت فيها صرخة رجل من داخل المهنة، يشعر بالغيرة على إعلام بلده قبل أن يشعر بالغضب منه.

نعم، لدينا اليوم ملاعب تليق بأكبر التظاهرات العالمية، ومنتخبات فرضت حضورها في الساحة الدولية، ونجوم أصبحوا سفراء حقيقيين للكرة والرياضة المغربية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: أين هو الإعلام الذي يوازي كل هذا التطور؟

وأنا هنا لا أتحدث من موقع المتفرج، بل من موقع من حمل الكاميرا لأكثر من ثلاثة عقود، وتنقل بين الملاعب المغربية والإفريقية والعربية والدولية، وعاش أجيالاً مختلفة من الصحافة الرياضية، وعرف زمن كانت فيه الصورة الصحفية وثيقة وشهادة وذاكرة، وليست مجرد مادة لجلب المشاهدات.

لقد تغير الزمن، وتغيرت الأدوات، وهذا أمر طبيعي.

لكن الذي لا يجب أن يتغير هو شرف المهنة.

 

المشكلة ليست في الصحافة الرقمية، ولا في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا في البحث عن الجمهور. فهذه كلها أدوات جديدة فرضها العصر. المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى غاية، وعندما يصبح الكليك أهم من الحقيقة، والإثارة أهم من المهنية، والسبق أهم من التحقق، والعنوان الصادم أهم من مضمون الخبر.

 

والأخطر من ذلك أن يتحول الإعلام من سلطة مهنية تراقب وتنتقد وتقترح، إلى مجرد متاجر في أزمات الناس ومشاكل المؤسسات واللاعبين والمسؤولين.

 

نحن لا نحتاج إلى إعلام يصفق دائماً، كما أننا لا نحتاج إلى إعلام يهدم كل شيء.

 

نحتاج إلى إعلام يسأل عندما يجب أن يسأل، وينتقد عندما يكون النقد ضرورياً، ويشيد عندما يكون الإنجاز مستحقاً، ويعتذر عندما يخطئ، ويعطي حق الرد عندما يتعلق الأمر بسمعة الأشخاص والمؤسسات.

 

وهنا أختلف فقط مع صديقي يونس في نقطة واحدة:

أنا لا أرى أن إعلامنا ضاع، بل أرى أنه يقف أمام مفترق طرق.

 

ما زالت هناك أقلام محترمة، وصحافيون شرفاء، ومصورون مهنيون، ومؤسسات إعلامية تحاول أن تحافظ على الحد الأدنى من قواعد المهنة. وما زال هناك جمهور يريد الحقيقة، وليس مجرد العناوين المثيرة.

 

والدليل أن هذه الصرخة نفسها تجد صدى واسعاً.

 

لقد حان الوقت لكي نسأل أنفسنا جميعاً، صحافيين ومصورين ومؤسسات إعلامية ومسؤولين وفاعلين في الرياضة:

 

أي إعلام نريد للمغرب الذي يستعد لاستضافة أكبر التظاهرات الرياضية العالمية؟

 

هل نريد إعلاماً يليق بالملاعب الجديدة فقط؟

أم نريد إعلاماً يليق بالمغرب الجديد أيضاً؟

 

لأن بناء الملعب قد يحتاج إلى سنوات، أما هدم الثقة في الإعلام فقد يحتاج إلى دقائق.

ومن هنا، فإنني أشاركك يا يونس هذا التفاؤل الذي ختمت به كلامك، لكنني

أضيف إليه شيئاً من واقع تجربتي:

الإعلام المغربي لا يحتاج إلى من يبكي عليه، بل إلى جيل جديد يحميه.

لا يحتاج إلى من يعلن موته، بل إلى مهنيين يعيدون إليه روحه.

ولا يحتاج إلى إعلام يركض خلف الكليك، بل إلى إعلام يجعل القارئ يركض خلف الحقيقة.

وإذا كنا فعلاً نريد أن يترحم علينا من يأتي بعدنا، فعلينا أن نترك لهم شيئاً يستحق أن يُحفظ.

فالملعب يحفظ الأرقام والألقاب…

أما الإعلام المهني، فيحفظ ذاكرة الوطن.

تحية تقدير لصديقي وزميلي يونس خراشي، على هذه الصرخة التي أتمنى ألا تمر مرور الكرام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى