أخبار متنوعة

الصحافة في المغرب بين عبث الهواتف وانهيار الصحافة الرياضية

الأسود :عبد القادر بلمكي

لم تعد الصحافة في المغرب اليوم تلك المهنة النبيلة التي حملت لعقود مشعل التنوير والتوعية ونقل الحقيقة. بل صارت، للأسف، فضاءً مفتوحًا لكل من هب ودب، يرفع شعار “صحفي” بمجرد امتلاكه هاتفًا أو ميكروفونًا بلا هوية، أو حتى دراجة يكتب عليها كلمة “الصحافة”. هذا المشهد العبثي لا يسيء إلى صورة المهنة فحسب، بل يهدد مصداقيتها ويضرب ثقة المواطن في الإعلام بشكل عام.
عبث الميكروفونات والهواتف… مهنة من لا مهنة له
صرنا نشاهد في الشارع أشخاصًا يضعون ميكروفونات مصنوعة على عجل، أو يفتحون صفحات في مواقع التواصل الاجتماعي ويعلنون أنفسهم “صحفيين”. في غياب تأطير قانوني صارم ورقابة مهنية مسؤولة، تحول الميدان إلى فوضى حقيقية، حيث اختلط الغث بالسمين، وتوارى الصحفي الحقيقي خلف ضجيج الدخلاء.
هذا الانفلات جعل الصحافة مهنة مستباحة، بدل أن تكون مؤسسة قائمة على التكوين الأكاديمي، الخبرة الميدانية، وأخلاقيات صارمة. كيف يمكن أن نحترم مهنة يختزلها البعض في بطاقة بلا قيمة أو ميكروفون بلا مضمون؟
الصحافة الرياضية… الوجه الأكثر انكشافًا للأزمة
إذا كانت الصحافة عامة تعيش انحدارًا، فإن الصحافة الرياضية في المغرب تمثل النموذج الأوضح لهذا السقوط. فالملاعب اليوم لم تعد فضاءً خاصًا بالإعلاميين المحترفين، بل أصبحت مسرحًا لدخلاء لا علاقة لهم بالرياضة ولا بالصحافة. نراهم في المدرجات وعلى جنبات الملاعب حاملين “بطاقات صحفية” لا تستند إلى أي سند قانوني، وزعت بطرق مشبوهة، فحولت المنابر الرياضية إلى مشاهد هزلية.
غياب الصحافة الرياضية الحقة انعكس مباشرة على جودة المحتوى.
تحليلات سطحية لا تتجاوز النتيجة واللقطات الطريفة.
غياب التحقيقات المعمقة التي تواكب الأندية، الجامعات، والتسيير الرياضي.
تراجع صورة المصور الصحفي الرياضي الذي كان بالأمس عين الجماهير وذاكرة الملاعب.
أصبحنا في زمن تُختزل فيه التغطية في بث مباشر بهاتف محمول من منصة “فيسبوك”، بدل أن تكون مادة إعلامية تحقق المتعة والفائدة للجمهور، وتحفظ للتاريخ لحظات الرياضة المغربية.
بطاقة الملاعب… عنوان المهزلة
من أبرز أسباب هذا الانحطاط ما يسمى “بطاقة الملاعب”، التي أُصدرت في صيغ غير قانونية ووزعت دون معايير مهنية واضحة. هذه البطاقة فتحت الباب أمام عشرات الأشخاص للتسلل إلى فضاءات الملاعب، والتصرف كصحفيين دون أي تكوين أو انتماء حقيقي لمؤسسة إعلامية. النتيجة:
تكدس غير مهني في المناطق المخصصة للإعلاميين.
إقصاء صحفيين ومصورين محترفين لم يجدوا أماكن للعمل.
تشويه صورة الإعلام الرياضي المغربي أمام الوفود الأجنبية.
من ينقذ المهنة اليوم، نحن أمام لحظة مفصلية. إما أن تستعيد الصحافة المغربية، وخاصة الرياضية، هيبتها عبر قوانين صارمة، هياكل مهنية قوية، وآليات حقيقية للفرز بين الصحفي والدخيل، وإما أن نترك المهنة تنزلق إلى هوة سحيقة لا رجعة منها.
ولكن المطلوب الآنيجب إعادة الاعتبار للتكوين الأكاديمي والمؤسسات الصحفية الجادة.
وضع دفتر تحملات صارم لمنح بطاقات الصحافة وبطاقات الملاعب.
تقوية دور النقابات والجمعيات المهنية في حماية المهنة من العبث.
محاسبة الجهات التي وزعت بطاقات غير قانونية.
الصحافة ليست ميكروفونًا، وليست بطاقة بلا معنى، وليست كلمة تُكتب على دراجة حمال. الصحافة التزام ومسؤولية ورسالة. أما الصحافة الرياضية فهي ذاكرة الملاعب وضمير الجماهير. وإن لم ننتفض جميعًا لحمايتها، فإننا سنستفيق يومًا لنجد أن المهنة التي ضحى لأجلها رجال ونساء من خيرة الأقلام والعدسات قد اندثرت تحت ركام العبث والفوضى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى