أخبار متنوعة

بين الإعلام والدعاية: حرب المصداقية التي استعر لهيبها خلال وبعد أمم إفريقيا المغرب 2025

الأسود: محمد عمامي

لاشك أن كل القوانين الوضعية تكفل حق المواطنين في الولوج للمعلومة والحق في الخبر ومعرفة ما يجول في محيط المواطن على أمل أن يحوز حق المواطنة عن علم ومعرفة تقيم الحد بين الحقوق والواجبات في عالم انتفت فيه الحدود بين أقاصي أطراف الحبل، فما بالك بما تقارب وتماهى منه.
مناسبة الحديث حرب الدعاية المغرضة التي خاضتها وتخوضها مجموعة من المنابر التي أستحيي توصيفها بالإعلامية، كونها أقرب لمجاري الصرف الصحي مع واجب الإحترام لمن يكسبون قوت يومهم بتخليصنا من أطنان النفايات الصلبة والسائلة كل يوم. ولعل ما يزيد الطين بلة اعتماد وسائل التواصل الاجتماعي السهلة والميسرة الإستعمال وانتشارها في مختلف الأوساط بسرعة البرق غير آبهة بالحدود الجغرافية ولا أوضاع المتلقين الاجتماعية والنفسية والمعرفية، ولا بقيود الشرع التي جاء فيها من خلال كتاب الله الكريم: “يا أيها اللذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”. والتوصيف الرباني لم يترك مجالا للشك في كون ما يروج من دعاية وإشاعات يتسم بخطر كبير، كونه نابع من الجهل والجهالة، أي غياب العلم والمعرفة من خلال عناصر الخبر الموثوقة، والمشار إليها في أبجديات الإعلام الغربي بthe five or six W، وكذلك الأذى التي قد يسببه الشخص للآخرين، قبل إصابته بالندم على ما فعل وهو إحساس في طور الانقراض لدى الأغلبية الساحقة منا.
عناصر الخبر الموثوق تبدأ من طرح السؤال المتعلق بماذا what ?، وهو أهم عنصر في الخبر كونه يبين مادة الخبر، قبل الإنتقال للعنصر الثاني المهم متى؟ when ?. ليعطيك بالضبط وقت وقوع الحدث أو النازلة…ثم بعد ذلك من؟ who ?، أي بمن يتعلق الأمر، أو من الفاعل أو المفعول به…أين وقع الحادث؟ where ?، لتوطين الخبر وربطه بحيز مكاني معين يمكن من خلاله التأكد من صحة الخبر، قبل المرور إلى العناصر الأخرى غير المادية كلماذا؟ why ?، لنمر إلى مستوى آخر من التعليق قد يختلط فيه الذاتي بالموضوعي حول الحديث عن الأسباب التي قد يكون بعضها ظاهرا وقد يستتر البعض متطلبا مستوى أعمق من الفهم وربط المعلومات بعضها ببعض ومساءلة المعطيات، وهي ملكات ليست متوفرة للكل بالطبع.
عشنا خلال أمم إفريقيا التي أقيمت بالمغرب على مدى شهر تقريبا حربا حقيقية طاحنة دارت رحاها على صفحات السوشيال ميديا والإذاعات والقنوات التلفزية ومواقع المؤثرين، والتي كان أبطالها أشخاص يفتقدون المعلومة الحقيقية وآخرون يعرفونها وينشرون نقيضها لمرض نفسي عضال، أو كخدمة مدفوعة الأجر أو وفاء لأجندة سياسية وعقائدية معينة، وفي كل الأحوال تضحية جلية بالإعلام والعلم والمعرفة والإخبار وقدسية الخبر وما يتطلبه الموقف من نزاهة وحيادية واستقامة.
ما عشناه خلال الشهر المذكور وما تلاه من تشويه للحقائق وحجب لبعض المعلومات ونشر أخرى كاذبة وتضليل للجماهير وإسهام في صناعة رأي عام مزيف وتنقيص من إنجازات وتضخيم أحداث معزولة والقيام باستنتاجات خاطئة وتكذيب لوقائع ثابتة وتحريض على الإدلاء بتصريحات في اتجاه معين مجانبة لواقع الحال، وعدم ذكر مكان الدورة، ووصف المغرب بالبلاد البعيدة لعدم ذكر الإسم، والاكتفاء بذكر الخصم في المباريات التي تجمعها بمنتخب المغرب…يجعلنا ندق ناقوس الخطر حول القادم. وضع يجعلنا نشك في كل شيء خاصة مع التطور الكبير للذكاء الاصطناعي وقدرته على محاكاة الأصوات والحركات والسكنات بشكل لا يترك مجالا للتشكيك في صدقيتها ويجعلنا أمام ضرورة تبني مقاربة جديدة من شأنها إعادة الاعتبار للعمل الإعلامي الجاد وفصله عن ترهات السوشيال ميديا مع تسجيل احترامي للمواقع الجادة والمحترمة لذكاء الإنسان. ما قلته يتطلب تكتيف جهود كل المهتمين بالمجال الإعلامي، سواء من قريب أو بعيد، من أجل التفكير المعمق في الإشكالية وتداعياتها على دور الإعلام ومستقبل الإنسان بصفة عامة.
ما عشناه يعكس إلى أي حد تستطيع الدعاية المغرضة، البعيدة كل البعد عن الإعلام بالطبع، أن تقلب الحقائق وأن تصنع رأيا عاما إفريقيا معاديا، لم يقنعه الإعلام النزيه بنجاح الدورة واختلافها الجوهري عن الدورات السابقة والنقلة النوعية التي خلقها المغرب إذ جعل من النسخة 35 استحقاقا قاريا بمعايير عالمية. التضليل الموجه، أيا كان مصدره (أجندة سياسية، عقائدية، جهل، حقد، اضطراب نفسي، بارانويا…) نجح في التغطية عن كل الأشياء الجميلة وتسليط الضوء على الأخطاء التحكيمية البسيطة والتي تعتبر جزءا لا يتجزأ من اللعبة. بل نجحت الدعاية المغرضة في تسليط الضوء على خطإ تحكيمي واحد لصلاح المغرب تجاوزا، في الوقت الذي كان فيه ضحية لأخطاء تحكيمية في نفس اللقاء تغاضت عنها عدسات الكاميرا، بل أن قنوات غير حاضرة اكتفت بالتأكيد على نفس الخطأ الذي “استفاد منه منتخبنا” وتغاضت عن عشرات الأخطاء المرتكبة في نفس المباراة أو مباريات أخرى. وهكذا نجحت الدعاية في التأثير لدرجة أصبح معها القول بنجاح الدورة، رغم نجاحها الفعلي، بمثابة صيحة في واد لا يسمع صداها، فما بالك بتأثيرها في الرأي العام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى