صحيفة DAILY MAIL البريطانية تشيد بالنهضة الكروية وتستعرض كيف أصبح المغرب قوة كروية عالمية
الأسود : محمد عمامي

في كل مرة يخوض فيها المنتخب المغربي مباراة في كأس العالم، تمتلئ شوارع الدار البيضاء بمشاهد احتفالية استثنائية؛ سيارات مكتظة بالمشجعين، ودراجات نارية تحمل أربعة أو خمسة أشخاص، وأطفال على الأكتاف أو في عربات الأطفال، وآلاف المواطنين يحتفلون بتأهل جديد لـ”أسود الأطلس” في البطولة العالمية. قد يبدو هذا المشهد للبعض وكأنه مجرد اندفاع عاطفي غير منظم أو معجزة كروية حققتها دولة إفريقية، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. فوصول المغرب إلى ربع نهائي كأس العالم هو ثمرة استثمار ضخم ومدروس في كرة القدم، قادته المؤسسة الملكية بدعم من الحكومة، مستفيدًا من الموارد الطبيعية التي تزخر بها البلاد.
ولهذا السبب، بات المغرب مرشحًا جديًا لمواصلة التألق وبلوغ قمة المجد الكروي العالمي، كما يُنظر إليه كأحد أبرز المرشحين لتقديم بطولة استثنائية عندما يستضيف كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
وقد اعتمد المشروع الكروي المغربي على تعزيز الهوية الوطنية بشكل كبير. فعندما بلغ المنتخب نصف نهائي مونديال قطر 2022، كانت جميع الاجتماعات والتعليمات الفنية تُلقى باللغة العربية، فيما كان اللاعبون الذين لا يتقنون العربية يجلسون بجوار زملائهم الذين يتحدثونها حتى يتمكنوا من فهم كل التفاصيل. وفي الوقت نفسه، لم يتردد الاتحاد المغربي لكرة القدم في الاستفادة من الخبرات الأجنبية لتطوير منظومة التكوين والتدريب والاستكشاف.
وفي عام 2019، استعان الاتحاد المغربي بالمدير الفني الويلزي أوزيان روبرتس، الذي سبق له أن ساهم في وصول منتخب ويلز إلى نصف نهائي بطولة أوروبا 2016، قبل أن يُلحق به المدير التنفيذي السابق للاتحاد الويلزي نيل وارد.
وساهم روبرتس في وضع هوية كروية واضحة للمنتخبات المغربية، تعيين مدربين لمختلف الفئات السنية، تطوير شبكة استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا ثم أخيرا إنشاء منظومة وطنية لتكوين المدربين على مستوى القاعدة.
أما نيل وارد، فقد أشرف على تنفيذ هذا المشروع وتطوير هياكله التنظيمية. ويشيد الرجلان بحجم الاستثمار الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس والحكومة المغربية، ويعتبران أن أكاديمية محمد السادس لكرة القدم بالرباط هي أفضل منشأة لتكوين اللاعبين الشباب شاهداها في العالم.
“الملك والحكومة يدركان القوة التي تمثلها كرة القدم وما يمكن أن تقدمه للمجتمع. فهي تعزز الهوية الوطنية وتمثل أداة مهمة للقوة الناعمة، كما أن استضافة كأس العالم 2030 سرعت وتيرة الاستثمار.”
ويشبه بعض المراقبين التجربة المغربية باستثمارات دول الخليج في كرة القدم، إلا أن المغرب يتميز بامتلاكه قاعدة جماهيرية وثقافة كروية راسخة. وتستحوذ المملكة على نحو 75% من الاحتياطي العالمي للفوسفاط، وهو معدن أساسي يدخل في صناعات متعددة مثل بطاريات الليثيوم وشاشات LED، وقد ساهمت هذه الموارد في تمويل جزء كبير من المشروع الرياضي.
ويقول نيل وارد:”كرة القدم تُمارس في كل مكان بالمغرب، في الشوارع، وعلى الأراضي الفارغة، وحتى على الشواطئ.”
ومع إنشاء ثلاثة مراكز جهوية جديدة لتكوين اللاعبين وتجديد الملاعب، تُقدر الاستثمارات الإجمالية بمليارات الدراهم. ويرى التقرير أن المنتخب المغربي الحالي يمتلك مجموعة قوية للغاية، رغم خيبة الخروج من كأس الأمم الإفريقية. ويشير إلى أن أربعة من أبرز نجوم المغرب في كأس العالم ولدوا خارج البلاد وهم أشرف حكيمي، المولود في إسبانيا، إسماعيل الصيباري، المولود أيضًا في إسبانيا، الحارس ياسين بونو، المولود في كندا وبلال الخنوس، المولود في بلجيكا. كما واصل الاتحاد المغربي تعزيز صفوف المنتخب باستقطاب لاعبين من أبناء الجالية، مثل مدافع فولهام عيسى ديوب الذي غيّر ولاءه الرياضي من فرنسا إلى المغرب قبل أشهر قليلة.
وقد صُممت شبكة الاستكشاف التي وضعها أوزيان روبرتس للتواصل مع اللاعبين الشباب في مختلف أنحاء أوروبا، وتعريفهم بإمكانية تمثيل المغرب، دون ممارسة أي ضغوط عليهم. ويرى نيل وارد أن المغرب لن يصبح أول بطل عالمي من إفريقيا أو آسيا إلا إذا نجح في تطوير اللاعبين الذين ينشؤون داخل البلاد. “الاختبار الحقيقي يكمن في تطوير كرة القدم المحلية. ما ينقص المغرب هو بنية أقوى للأندية حتى تتمكن من تكوين ملايين الأطفال الذين يمارسون اللعبة.”
وأضاف أن مدربي الفئات السنية يعيشون تحت ضغط هائل لتحقيق نتائج فورية، بسبب الثقافة الكروية المغربية التي تركز على النجاح السريع، معتبرًا أن الاتحاد المغربي يحتاج إلى منح المدربين مزيدًا من الوقت لتحقيق أهداف التطوير.
واختتم التقرير بكلمات مدرب منتخب المغرب، محمد وهبي، الذي قاد منتخب المغرب للفوز بكأس العالم لأقل من 20 سنة للشباب أمام الأرجنتين: “هذا المنتخب، وكل المنتخبات المغربية للفئات السنية، لا تقاتل من أجل كرة القدم فقط أو من أجل الفوز بمباراة. خلفها ملايين المغاربة، وهذا يمنح اللاعبين الطاقة لعدم الاستسلام، ومواصلة القتال والإيمان بأنفسهم.”





