أخبار متنوعة

حين تختلط المهنة بالهواية… يدفع الإعلام الثمن

الأسود : عبد القادر بلمكي

 

 

ليس من السهل أن تصبح صحافيًا، كما ليس من السهل أن تصبح طبيبًا أو قاضيًا أو مهندسًا. فلكل مهنة أصولها، ولكل مجال أهله، أما أن يتحول العمل الإعلامي إلى ميدان مفتوح لكل من امتلك هاتفًا ذكيا أو كاميرا، فذلك أمر يستحق التوقف عنده.

لقد أصبحت الساحة تعيش فوضى غير مسبوقة، حيث اختلطت المفاهيم، وغابت الحدود الفاصلة بين الممارسة المهنية والهواية. فصار البعض يعتقد أن الظهور أمام العدسة يكفي ليمنحه صفة الصحافي، وأن نقل حدث عبر مواقع التواصل الاجتماعي يضعه في مصاف رجال الإعلام.

والحقيقة أن الصحافة ليست زينة تضاف إلى بطاقة تعريف، ولا لقبًا يمنحه صاحبه لنفسه، بل هي التزام يومي بالبحث عن الحقيقة، واحترام أخلاقيات المهنة، والقدرة على نقل الخبر بدقة وموضوعية ومسؤولية.

أما التصوير الصحافي، فهو مدرسة قائمة بذاتها. فالصورة التي تبقى في ذاكرة التاريخ لا يصنعها الحظ، وإنما يصنعها مصور يمتلك ثقافة بصرية، ويعرف قيمة اللحظة، ويقرأ تفاصيل المشهد قبل أن يضغط على زر الكاميرا. لذلك فهناك فرق شاسع بين من يلتقط صورة، ومن يصنع صورة صحافية.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تطور التكنولوجيا، بل في غياب الوعي بكيفية استخدامها. فالأدوات أصبحت في متناول الجميع، لكن المهنية لا تباع في المتاجر، والخبرة لا تُحمَّل من التطبيقات، والاحترام لا يُكتسب بعدد المتابعين أو المشاهدات.

ومن المؤسف أن يجد الصحافي المهني، الذي أفنى سنوات من الدراسة والتكوين والعمل الميداني، نفسه في كفة واحدة مع من اقتحم المجال دون مؤهلات، ودون إدراك لحجم المسؤولية التي يفرضها العمل الإعلامي.

إن الدفاع عن الصحافة ليس دفاعًا عن أشخاص، بل عن مهنة كانت وستبقى إحدى ركائز المجتمع. وإذا أردنا إعلامًا يحظى بثقة الناس، فعلينا أن نعيد الاعتبار للكفاءة، وأن نميز بين الاحتراف والادعاء، وأن نؤمن بأن قيمة الصحافي لا تقاس بما يحمله في يده، بل بما يحمله في فكره وضميره.

فالصحافة ستظل رسالة نبيلة، ولن يحفظ مكانتها إلا من آمن بها علمًا، ومارسها أخلاقًا، وخدم بها الحقيقة قبل أن يخدم بها نفسه.

.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى