بين الرؤية الملكية والفراغ المؤسساتي: أسئلة محرجة حول هوكي الجليد بالمغرب
الأسود: متابعة

في رسالته السامية الموجهة إلى مناظرة الصخيرات حول الرياضة، وضع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده معالم رؤية واضحة لتطوير الرياضة الوطنية، قوامها الحكامة الجيدة، الاستثمار في البنية التحتية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي رؤية تجسدت على أرض الواقع من خلال أوراش رياضية كبرى، جعلت من المغرب نموذجًا قارّيًا في التنظيم والتدبير.
وقد أكد المغرب هذا المسار بنجاحه الباهر في تنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025، في الفترة ما بين 1 و18 يناير، وسط إشادة واسعة من المنتخبات المشاركة، والاتحاد الإفريقي، وكل المتابعين، سواء من حيث جودة الملاعب، أو البنية التحتية، أو الكفاءة التنظيمية. نجاح يضاف إلى الثقة الدولية التي حظي بها المغرب باحتضانه المشترك لكأس العالم 2030.
وسط هذه الدينامية الإيجابية، برزت معلمة رياضية جديدة، تمثلت في تشييد ملعب كبير خاص برياضة الهوكي على الجليد، كمشروع يعكس طموح المملكة في تنويع العرض الرياضي والانفتاح على الرياضات الأولمبية الشتوية. غير أن هذا الإنجاز، بدل أن يكون مصدر فخر جماعي، فتح باب تساؤلات مؤرقة ومحرجة حول واقع هذه الرياضة وتدبير جامعتها.
فرغم مرور سنوات على تأسيس الجامعة الملكية المغربية للهوكي على الجليد، لا تزال هذه الرياضة تفتقد إلى أبسط مقومات الانطلاقة الحقيقية:
لا بطولة وطنية منتظمة، لا كأس للعرش، ولا قاعدة ممارسين واضحة المعالم. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تدبير معلمة وطنية كبرى في غياب بطولة وطنية تؤسس لمشروعية التنافس؟
الأكثر إثارة للاستغراب، أن تدشين هذا الملعب تم في غياب لافت لمؤسسات يفترض أنها وصية أو شريكة في الإشراف، من وزارة مكلفة بالرياضة، إلى اللجنة الوطنية الأولمبية، رغم أن هوكي الجليد رياضة أولمبية معترف بها. غياب يفتح المجال لتساؤلات مشروعة حول الإطار القانوني والمؤسساتي الذي تم فيه هذا التدشين.
وتزداد علامات الاستفهام حين يُعلن عن تنظيم مباراة دولية بحضور “منتخب وطني”، في وقت لا يتوفر فيه المغرب، إلى حدود الساعة، على بطولة وطنية أو مسار انتقائي واضح يفرز منتخبًا بالمعنى الرياضي والمؤسساتي المتعارف عليه. وهو ما يدفع المتتبع لطرح سؤال بسيط في شكله، عميق في دلالته: من أين جاء هذا المنتخب؟ وبأي صفة تم تمثيل المغرب؟
من جهة أخرى، سبق أن أُنجزت ملاعب قرب مخصصة لهذه الرياضة في مدن مثل الرباط وسلا، ورُصدت لها ميزانيات مهمة، قبل أن تتحول اليوم، حسب ما يتداوله الفاعلون، إلى فضاءات مهملة، تفتقد للصيانة والتأطير، دون توضيح رسمي حول مآل تجهيزاتها أو طريقة تدبيرها.
كل هذه المعطيات لا تُطرح من باب الخصومة أو التشهير، بل من منطلق الحرص على حماية صورة الرياضة الوطنية، وصيانة الرؤية الملكية التي جعلت من الرياضة رافعة للتنمية، لا مجالًا للفوضى أو الغموض. فحين تُثار أسئلة حول الوضعية القانونية للجامعة، وحول انتهاء ولايات، وتأخر الجموع العامة، يصبح من حق الرأي العام أن يفهم، ومن واجب المؤسسات أن توضح.
إن النجاح الذي يحققه المغرب في كبريات التظاهرات لا يجب أن يحجب الحاجة إلى الصرامة في تطبيق القانون داخل كل الجامعات، دون استثناء. لأن الرياضة، كما أرادها جلالة الملك، ليست بنايات فقط، بل مؤسسات تحترم القانون، وتخضع للمحاسبة، وتعمل بمنطق الاستمرارية لا الارتجال.
ويبقى السؤال معلقًا:
كيف نوفق بين طموح دولة تراهن على العالمية، وواقع جامعة تعيش على هامش الحكامة؟
سؤال لا ينتظر اتهامات، بل أجوبة مسؤولة.




