أخبار متنوعة

المغرب لا يحتج على الهزيمة… بل يرفض الإهانة

الأسود: عبد القادر بلمكي

قد لا يكون من الإنصاف التعميم، غير أن حجم الغضب الذي لمسه المتتبع للشأن الرياضي، في الشارع كما في الفضاء العام، يكشف بوضوح أن الإشكال لم يكن يومًا في نتيجة نهائي كأس أمم إفريقيا، بل في ما أعقبها من قرارات تأديبية صادرة عن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
لقد تقبّل المغاربة الهزيمة بروح رياضية، وسعوا إلى طي صفحة النهائي، إيمانًا منهم بأن الخسارة جزء من منطق المنافسة. غير أن “الكاف” اختارت، بقراراتها اللاحقة، إعادة فتح الجرح وتعميقه، عبر عقوبات وُصفت على نطاق واسع بغير العادلة، بل والمهينة، حين وُضع بلدٌ احتضن البطولة، ونجح في تنظيمها بشهادة الجميع، في كفة شبه متساوية مع طرف انسحب من أرضية الميدان وأسهم في تشويه صورة النهائي القاري.
وأمام هذا الاحتقان الشعبي، كان الصمت هو العنوان الأبرز لموقف الجهة الوصية. صمتٌ لم يعد ظرفيًا أو معزولًا، بل تحوّل إلى نهج متكرر، رغم أن الرأي العام كان ينتظر منذ اليوم الأول بعد نهاية البطولة تفسيرًا رسميًا، وتواصلًا واضحًا، وشرحًا شجاعًا لما جرى… وهو ما لم يحدث.
لقد كشفت هذه الأزمة، مرة أخرى، فشل المقاربة التواصلية للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. فجلّ ما عُرف عن كواليس النهائي وخلفيات القرارات التأديبية تسرب عبر الإعلام الأجنبي، في وقت غاب فيه النقاش المؤسساتي داخليًا: لا ندوات صحفية، لا تصريحات مسؤولة، لا برامج تحليلية جادة، ولا موائد مستديرة تواجه الرأي العام بالحقيقة.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود المؤسسة الرياضية وحدها، بل يتجاوزها ليطرح سؤالًا مقلقًا حول واقع الصحافة الرياضية الوطنية:
أين اختفت الصحافة الجادة؟ أين الجودة والمهنية؟ وأين الأقلام التي كانت تزن الكلمة بميزان الوطن؟
لقد بات المشهد، للأسف، خاضعًا لهيمنة صحافة لا يشغلها سوى القفز على الإشهار، والارتهان للدعم العمومي، دون إنتاج محتوى قادر على الدفاع عن مصلحة الوطن، أو حتى الدفاع عن كرامة المهنة نفسها. صحافة عاجزة عن الترافع، فاقدة للبوصلة، اختزلت دورها في الإثارة الرخيصة، والتشهير، وتصفية الحسابات، بدل أن تكون سلطة نقدية واعية ومسؤولة.
أين أنتم يا حراس المهنة؟
أين الصحافة الرياضية الحقيقية التي كانت حاضرة بثقلها في المحافل القارية والدولية، تفرض احترامها، وتدافع عن الرياضة الوطنية بجرأة واستقلالية؟
كيف تم تهميشها، بل وتدميرها، لصالح أصوات موسمية لا تمت بصلة لجوهر الصحافة ولا لرسالتها؟
هذه أسئلة جوهرية لم يعد بالإمكان تجاهلها، لأنها تمس صميم الوعي الجماعي، وتفرض إجابات واضحة تُقدَّم للرأي العام دون مواربة أو تزييف.
لقد سئم المغاربة من تبرير الصمت بشعار “حماية صورة البلد”، لأن صورة الوطن لا تُصان بالغياب، بل تُحمى بالوضوح، وبالجرأة، وبالدفاع المؤسساتي القوي والمتزن.
وحين يتحول الإعلام إلى أداة للتلميع السياسي أو الحسابات الانتخابية الضيقة، بدل أن يكون صوتًا للمجتمع وضميرًا للوطن، فإن الخلل يصبح بنيويًا، ويغدو الإصلاح ضرورة وطنية عاجلة لا تقبل التأجيل.
اليوم، لم يعد السؤال: من المسؤول؟
بل السؤال الحقيقي هو: هل نملك الشجاعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى