الوداد الفاسي.. حين يتحول التاريخ العريق إلى جرح نازف في دوامة المعاناة
الأسود : ريفي مفيد محمد

تتجاوز أزمة نادي الوداد الرياضي الفاسي في الآونة الأخيرة حدود النتائج الرقمية العابرة لتلامس جوهر الوجود والهوية، حيث يبدو أن قدر هذا الصرح الرياضي قد بات رهيناً بحلقة مفرغة لا تنتهي، يعيد فيها التاريخ نفسه في كل موسم بنسخة أكثر مرارة من سابقتها، وكأن “الواف” قد استمرأ دور الضحية التي تصارع من أجل البقاء في اللحظات الأخيرة. إن المحصلة الكارثية التي سجلها الفريق في جولاته الأخيرة، بحصده لنقطتين يتيمتين من أصل خمس عشرة نقطة ممكنة، ليست مجرد كبوة عابرة أو سوء طالع، بل هي تجسيد صريح وفج لأزمة تدبيرية عميقة أهدرت هيبة فريق يمثل جزءاً أصيلاً ومشرقاً من تاريخ الكرة الفاسية والوطنية، واضعةً إياه في مرتبة لا تليق بمرجعيته التاريخية.
إن التواجد في المناطق الرمادية من سبورة الترتيب والاقتراب بمسافة نقطة واحدة فقط من مقصلة النزول ومباريات السد، يضعنا جميعاً أمام تساؤل حارق ومصيري حول الجدوى من استمرار نفس الوجوه والسياسات العقيمة التي تقود السفينة نحو الغرق. فالمسؤولية عن هذه المهزلة التي تتكرر كسيناريو مكتوب سلفاً في كل موسم تقع على عاتق إدارة تكتفي بوضع أهداف قزمة تتمثل في مجرد تنشيط البطولة والهروب من شبح الاندثار، وسط غياب تام لرؤية تقنية واضحة تجعل الفريق يستنزف قواه في صراعات الهامش بدلاً من المنافسة على بطاقات العودة إلى مكانه الطبيعي بين الكبار. هذا الوضع يمثل استنزافاً حقيقياً لمشاعر الجماهير الوفية التي سئمت لغة التبريرات الجاهزة ووعود الإصلاح التي تتبخر مع أول صافرة انطلاق، فليس من المقبول أن يظل نادٍ بهذا الحجم مجرد رقم لتأثيث المشهد في القسم الثاني، بينما تطمح فرق حديثة العهد إلى معانقة الألقاب.
إن ما يحدث اليوم هو نتاج تزاوج عضوي بين فشل إداري ذريع وعجز عن رسم خارطة طريق احترافية، وبين ضعف صارخ في التركيبة البشرية التي تفتقر للعناصر القادرة على تحمل ضغط المنعطفات الحاسمة. لقد حان الوقت لكسر هذه الدوامة القاتلة عبر ثورة حقيقية في الفكر الإداري قبل التغيير في التشكيل التقني، فالتدبير الارتجالي والغياب الصارخ للاستراتيجية الرياضية الواضحة هما الخصم الحقيقي للفريق أكثر من الخصوم على أرضية الملعب. إن إنقاذ الوداد الفاسي لم يعد ترفاً أو خياراً ثانوياً، بل أضحى ضرورة قصوى تتطلب تنظيف البيت الداخلي من مخلفات العشوائية التي عجزت عن جلب موارد مالية قارة أو صياغة مشروع رياضي يخرج النادي من قوقعة النجاة الموسمية.
إن هذا الخلل البنيوي انعكس بشكل مباشر على الجانب التقني، حيث يجد الفريق نفسه في كل موسم أمام انتدابات ترقيعية لا تسمن ولا تغني من جوع، بضم لاعبين يفتقدون للروح القتالية والجودة الفنية التي تؤهلهم لمقارعة الكبار، مما جعل سقف طموحات الجماهير ينخفض قسراً من الحلم بالصعود إلى مجرد التضرع بالبقاء. لذلك، فإن مخرج الطوارئ الوحيد يتطلب تلازماً بين مسارين لا ينفصلان، وهما ثورة إدارية تضخ دماءً جديدة بعقلية استثمارية حديثة، وغربلة شاملة للرصيد البشري لجلب لاعبين يدركون قيمة القميص الذي يرتدونه. إن استمرار النهج الحالي ليس إلا تمهيداً لكارثة قد تعصف بتاريخ الفريق إلى غياهب أقسام الهواة، وهو المصير الذي لن تغفره الذاكرة الرياضية لمن فرطوا في أمانة هذا النادي العريق الذي يستحق مكانة أرفع بكثير من هذا الواقع المرير والمهين.





