إقصاء الجرائد والمواقع الصحفية باسم الهيكلة… من يحمي التعددية الإعلامية من منطق الانتقائية؟
الأسود : ريفي مفيد محمد

عاد النقاش حول واقع الصحافة المغربية، وخاصة الصحافة الرياضية، إلى الواجهة من جديد، بعد خرجات لبعض المحسوبين على الجسم الصحفي، تضمنت مواقف أثارت تساؤلات مشروعة حول معايير تصنيف المنابر الإعلامية، وحدود الحديث باسم المهنة، ومدى احترام مبدأ الإنصاف بين مختلف الجرائد والمواقع الصحفية.
وإذا كان لا أحد يعارض ضرورة تنظيم القطاع الإعلامي، ومحاربة الممارسات التي تسيء إلى الصحافة، والتمييز بين المقاولات المهنية الجادة والممارسات العشوائية، فإن ما يثير القلق هو أن تتحول الدعوة إلى الهيكلة إلى مدخل لإقصاء منابر بعينها، أو وضع عدد من الجرائد والمواقع في خانة واحدة، دون التحقق من وضعيتها القانونية، وطبيعة عملها، وتجربتها، ومصداقية ما تنشره.
لقد أثارت إحدى هذه الخرجات الانتباه بعدما جرى الحديث عن منابر اعتُبرت غير مهيكلة، مع ذكر أسماء جرائد ومواقع تابعة للجمعية التي ينتمي إليها صاحب التصريح، دون تقديم صورة شاملة ومنصفة عن بقية المنابر الإعلامية العاملة في الساحة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل أصبح الانتماء إلى جمعية معينة معياراً للاعتراف بالمنبر الصحفي، بينما تُترك باقي الجرائد والمواقع عرضة للتصنيف والتشكيك دون فحص أو تدقيق؟
إن الخلل لا يكمن في المطالبة بالهيكلة، بل في احتمال استعمالها معياراً انتقائياً للإقصاء.
فلا يجوز أن تتحول مبادرات إصلاح المشهد الإعلامي إلى وسيلة للتمييز بين منابر على أساس الانتماء أو العلاقات المهنية، ولا أن يُمنح بعضها صك الاعتراف والمصداقية، بينما تُجمع منابر أخرى تحت وصف واحد، دون الاستناد إلى معطيات دقيقة وموضوعية.
إن الجرائد والمواقع الصحفية ليست نسخاً متطابقة؛ فمنها ما يتوفر على مقاولات منظمة وموارد بشرية متخصصة، ومنها ما يشتغل بإمكانات محدودة، ومنها ما راكم سنوات من العمل والتغطية الميدانية رغم الصعوبات المالية والإدارية التي يعرفها القطاع. لكن اختلاف الإمكانات لا يمنح أحداً الحق في إصدار أحكام جماعية على الجميع.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو الوقوف بحزم ومسؤولية في وجه كل ممارسة من شأنها تكريس الإقصاء الممنهج أو المساس بحق المنابر الإعلامية في أن تُقيَّم وفق وضعيتها الحقيقية، لا وفق الانطباعات أو التصنيفات الجاهزة.
فالهيكلة تُفحَص بالوثائق، والمصداقية تُقاس بالممارسة، والكفاءة تثبتها التجربة؛ أما الأحكام الجماعية فلا تخدم إصلاح المهنة.
ومن حق أي فاعل إعلامي أن يدافع عن تصوره لتنظيم القطاع، وأن يطالب بتطبيق القانون على الجميع، لكن ليس من حقه أن يجعل من موقفه الشخصي أو من انتمائه الجمعوي أساساً لتحديد المنابر التي تستحق الاعتراف وتلك التي توضع خارج دائرة المهنية.
كما أن ذكر أسماء جرائد ومواقع تابعة لهيئة معينة، مع إغفال باقي الفاعلين، يثير إشكالاً يتعلق بمدى احترام تكافؤ الفرص في التمثيل والتقييم. فالمشهد الإعلامي الوطني أوسع من أي جمعية أو تنظيم، ولا يمكن اختزاله في المنابر التي تدور في فلك جهة واحدة، مهما كانت مكانتها أو طبيعة أهدافها.
وإذا كان الهدف هو تنقية القطاع من الدخلاء، فإن الطريق الصحيح يبدأ بإعداد معايير واضحة، والتحقق من الوضع القانوني للمقاولات الصحفية، وفحص طبيعة نشاطها واستمراريته، والنظر في احترامها لأخلاقيات المهنة ومسؤولياتها التحريرية. وينبغي أن تخضع جميع المنابر لهذه المعايير نفسها، دون استثناء أو تمييز.
أما وضع الجرائد والمواقع في خانة واحدة، والحكم عليها مسبقاً بأنها غير مهيكلة، دون التحقق من كل حالة على حدة، فهو أمر يتعارض مع مبدأ الإنصاف، وقد يؤدي إلى ظلم منابر جادة اختارت العمل بإمكاناتها الخاصة، وظلت وفية لرسالتها الإعلامية رغم الإكراهات التي تواجهها.
لا نطالب بمنح امتيازات لأحد، وإنما نطالب بألا يُحرم أحد من حقه في التقييم العادل.
ومن الضروري هنا التمييز بين المقاولة الصحفية التي لا تستوفي بالفعل الشروط القانونية والتنظيمية المطلوبة، والمنبر الذي يتوفر على وضعية قانونية وممارسة مهنية واضحة، لكنه لا ينتمي إلى الجمعية التي يتحدث باسمها أحد الفاعلين. فالحالتان مختلفتان، ولا يجوز التعامل معهما بالمنطق نفسه.
كما أن صفحات التواصل الاجتماعي، رغم دورها المتنامي في نشر الأخبار والمعلومات، لا ينبغي أن تختلط بالمؤسسات الصحفية المنظمة. لكن هذا التمييز يجب أن يستند إلى القانون والواقع، لا إلى الأحكام المسبقة. فامتلاك صفحة على موقع اجتماعي لا يكفي وحده لإثبات الصفة الصحفية، كما أن عدم الانتماء إلى جمعية معينة لا يشكل دليلاً على غياب المهنية أو المصداقية.
وفي هذا السياق، ينبغي أن يكون دور الهيئات المهنية والمؤسسات المعنية هو المساهمة في توضيح المعايير، والدفاع عن حقوق الصحفيين، ومواكبة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، لا تكريس منطق التصنيف الذي قد يضعف التعددية ويعمق الخلافات داخل الجسم الإعلامي.
فالمنابر الصغيرة والمتوسطة ليست عبئاً على الصحافة الوطنية، بل يمكن أن تكون رافداً أساسياً لها، متى احترمت القانون والتزمت بأخلاقيات المهنة. وهي في حاجة إلى التأطير والتكوين والتحفيز المعنوي، وإلى فرص عادلة للمشاركة في التغطيات والتظاهرات الصحفية، بدلاً من أن تجد نفسها في مواجهة أحكام عامة لا تراعي اختلاف ظروفها ومساراتها.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي للصحافة دون الاعتراف كذلك بتضحيات أجيال من الصحفيين والمصورين الذين اشتغلوا لعقود في الميدان، ووثقوا الأحداث الرياضية والوطنية، وأسهموا في بناء الذاكرة الإعلامية المغربية، دون أن تكون الاستفادة من الدعم أو الانتماء إلى هذه الجمعية أو تلك معياراً وحيداً لقيمة عملهم.
إن التجربة المهنية والأرشيف الصحفي والمصداقية والاستمرارية كلها عناصر تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار، إلى جانب الوثائق القانونية والتنظيمية. فالمطلوب ليس الدفاع عن منبر لمجرد أنه صغير، ولا تزكية مؤسسة لمجرد أنها كبيرة، بل اعتماد تقييم موضوعي يضع الجميع أمام الميزان نفسه.
ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو إلى مراجعة كل خطاب قد يؤدي إلى إقصاء الجرائد والمواقع الصحفية بصورة جماعية، وإلى اعتماد مقاربة تقوم على التحقق الفردي من وضعية كل منبر، مع إتاحة الفرصة له لتوضيح معطياته وتقديم وثائقه، قبل إصدار أي حكم بشأنه.
إن إصلاح الصحافة لا يتحقق بتوسيع دائرة الإقصاء، وإنما بتوسيع دائرة المهنية والعدالة وتكافؤ الفرص.
وإذا كانت هناك اختلالات حقيقية داخل بعض المقاولات الإعلامية، فإن معالجتها يجب أن تتم وفق المساطر القانونية المعمول بها، لا من خلال التصريحات العامة أو الانتقائية في ذكر الأسماء. كما أن المسؤولية تقتضي من كل من يتحدث عن تنظيم القطاع أن يميز بين النقد المشروع والتعميم، وبين الدفاع عن المهنة ومحاولة احتكار تمثيلها.
إن الصحافة المغربية اليوم في حاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويؤسس للإصلاح ولا يغذي الصراعات، ويضع مصلحة المهنة فوق الاعتبارات الضيقة. أما تحويل الهيكلة إلى عنوان لإقصاء منابر لا تنتمي إلى هذا الطرف أو ذاك، فسيكون ابتعاداً عن الهدف الحقيقي الذي يفترض أن يجمع الجميع.
وخلاصة القول: لا أحد فوق القانون، ولا منبر خارج حقه في التقييم المنصف. فمن يطالب بتنظيم الصحافة عليه أن يبدأ بتوحيد المعايير، والتحقق من المعطيات، وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز. أما إصدار الأحكام الجماعية دون تدقيق، أو إبراز أسماء منابر دون غيرها، فلا يمكن أن يكون أساساً سليماً لبناء مشهد إعلامي مهني ومتعدد.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه المدافعون عن هذا التوجه: هل نريد هيكلة حقيقية تشمل جميع المنابر وفق معايير موحدة، أم تصنيفاً انتقائياً يمنح الاعتراف للبعض ويضع الآخرين في دائرة الشك؟
إن الجواب لن يكون بالشعارات، بل بالممارسة والإنصاف واحترام القانون. فالمهنة أكبر من الأشخاص، والصحافة أوسع من الجمعيات، وحق المنابر في التقييم العادل لا ينبغي أن يخضع لمنطق الانتماء أو الإقصاء.





