بلاغ في عمق الأزمة… حين تختار فيدرالية الناشرين المواجهة دفاعًا عن المهنة لا عن المصالح
ابو جاد

في لحظة دقيقة يمرّ بها قطاع الصحافة والنشر بالمغرب، جاء بلاغ الفيدرالية المغربية لناشري الصحف ليشكّل موقفًا مهنيًا واضحًا، لا يكتفي بتشخيص الأعطاب، بل يضع المسؤوليات في أماكنها الصحيحة، ويعيد النقاش إلى جوهره: إصلاح حقيقي يحمي المهنة من العبث والهيمنة والدخلاء.
البلاغ، الصادر عقب اجتماع المكتب التنفيذي للفيدرالية، تفاعل بوضوح مع قرار المحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، معتبرًا إياه فرصة تاريخية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا ساحة لتصفية الحسابات أو الانتصارات الوهمية. وهو تثمين في محله، يقرأ القرار من زاوية دستورية ومؤسساتية، لا بمنطق الغنيمة.
وأكدت الفيدرالية، بجرأة محسوبة، أن القضاء الدستوري أسقط منطق “التشريع على المقاس”، ورفض احتكار تمثيلية الناشرين من طرف جهة واحدة، بما يتعارض مع مبدأ التعددية الذي ينص عليه الدستور. رسالة قوية تضرب في العمق كل محاولات التحكم والهيمنة التي عانى منها القطاع في السنوات الأخيرة.
وفي امتداد هذا الموقف، شدد البلاغ على أن المطلوب اليوم ليس ترقيع القانون أو إجراء تعديلات تقنية شكلية، بل إعادة بناء شاملة لمنظومة التنظيم الذاتي، عبر حوار جاد ومسؤول، وهو المطلب الذي ظلت الفيدرالية ترفعه منذ أزيد من ثلاث سنوات، في وقت اختار فيه آخرون الاصطفاف وراء الحكومة وتبرير اختياراتها.
كما لم يتردد البلاغ في فضح ازدواجية الخطاب لدى بعض الأطراف التي تهاجم اليوم قانونًا كانت بالأمس القريب من أشد المدافعين عنه، في سلوك وصفته الفيدرالية بتحريف المواقف ونشر الالتباس والشعبوية، في إشارة واضحة إلى فئة لا تحضر إلا حيث توجد المصلحة، وتغيب حين يتعلق الأمر بالدفاع عن المهنة وقيمها.
ومن النقاط التي تحسب بقوة لهذا البلاغ، ربطه بين الأزمات المتراكمة داخل القطاع وبين سوء التدبير، وضعف الكفاءة، والتعنت الإداري، سواء في ملف البطاقات المهنية أو الدعم العمومي، مع تحميل المسؤولية الصريحة للجنة المؤقتة المنتهية ولايتها، وللحكومة التي نصّبتها، ولكل من انخرط في هذا المسار رغم التحذيرات المتكررة.
كما توقف البلاغ عند معاناة مستخدمي المجلس الوطني للصحافة، رافضًا استغلال مأساتهم في المزايدات، ومطالبًا بحلول عملية وفورية تعيد لهم حقوقهم وكرامتهم، في موقف إنساني ومهني يعكس وعيًا بمسؤولية المرحلة.
ولم يغفل البلاغ جانب الصحافة الرياضية، حيث دعا إلى مراجعة العلاقة مع الإعلام الرياضي، خاصة بعد الاختلالات التي رافقت تغطية كأس إفريقيا، محذرًا من تكرار نفس الأخطاء خلال الاستحقاقات المقبلة، وعلى رأسها كأس العالم 2026.
في المجمل، يقدم بلاغ الفيدرالية المغربية لناشري الصحف نموذجًا لبلاغ مهني صريح، لا يغازل، ولا يساير، ولا يختبئ خلف العبارات الرمادية، بل يواجه الواقع كما هو، دفاعًا عن مهنة أُنهكت بالدخلاء، وأُضعفت بالتحكم، وتحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إرادة إصلاح حقيقية، ووحدة مهنية صادقة.





