
في زمن اختلطت فيه المعايير، وأصبحت فيه “المشاهدات” عملة تُتداول أكثر من القيم، يخرج صوت من داخل المؤسسة التشريعية ليضع الإصبع على الجرح الحقيقي للإعلام الوطني. سؤال النائب البرلماني محمد أوزين الموجه إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، لم يكن مجرد استفسار إداري عابر، بل كان صرخة سياسية تحمل في طياتها قلقا مشروعا من انزلاقات خطيرة تهدد مهنة الإعلام في عمقها.
ما جاء في هذا السؤال يستحق التثمين، ليس فقط لجرأته، ولكن لأنه كسر جدار الصمت الذي طالما أحاط بظاهرة “التغول الرقمي” الذي أصبح واقعا يفرض نفسه بقوة، خارج كل الضوابط المهنية والأخلاقية. الحديث هنا ليس عن حرية تعبير، بل عن فوضى تعبير، حيث يتحول بعض “المنابر” إلى سلطة موازية، تمنح الشرعية وتسحبها، وتصنف الأعمال بمنطق المزاج لا بمنطق الجودة.
الأخطر في طرح أوزين، هو كشفه لهذا التناقض الصارخ: كيف يمكن لمن يحقق أرباحا ضخمة من “البوز” ومن اقتصاد الإثارة، أن يمد يده في الآن ذاته إلى المال العام؟ أي منطق اقتصادي أو أخلاقي يمكن أن يبرر هذا “الزواج غير الشرعي” بين الاستثمار التجاري والدعم العمومي؟ هنا بالضبط تكمن جوهر الإشكال، وهنا أيضا تكمن أهمية هذا النقاش الذي يجب أن لا يظل حبيس قبة البرلمان.
إن الدفاع عن الدعم العمومي لا يعني إطلاقه دون شروط، ولا يمكن أن يتحول إلى صك مفتوح لفائدة من اختاروا الطريق السهل: الإثارة، التشهير، وخدش القيم. الدعم وُجد أساسا لحماية إعلام مهني، جاد، يؤدي رسالة، ويصمد في وجه الإكراهات الاقتصادية، لا لمكافأة من يراكم الأرباح على حساب الذوق العام.
ولعل أكثر ما يجب التوقف عنده في هذا النقاش، هو تلك المفارقة المؤلمة التي أشار إليها النائب: مؤسسات إعلامية جادة تكافح من أجل البقاء، تحترم أخلاقيات المهنة، وتؤدي رسالتها في صمت، تقابلها منصات رقمية تعيش على “التريند”، تحصد الملايين، ثم تزاحم الجميع على الدعم العمومي. أليس في ذلك ظلم مزدوج؟ ظلم للمهنة، وظلم للمال العام.
الجرأة التي طُرح بها هذا الملف اليوم، يجب أن تُستثمر سياسيا وتشريعيا، لا أن تُستهلك إعلاميا فقط. فالمطلوب ليس فقط مساءلة ظرفية، بل مراجعة عميقة لمنظومة الدعم، وربطها بمعايير واضحة: جودة المحتوى، احترام أخلاقيات المهنة، وضعية الصحفيين، والمساهمة الحقيقية في تنوير الرأي العام.
لقد آن الأوان لوضع حد لهذا الخلط المريب بين “الصحافة” و”الفرجة”، بين “الإعلام” و”الاسترزاق الرقمي”. فحرية التعبير لا يمكن أن تكون مظلة للفوضى، كما أن المال العام لا يمكن أن يتحول إلى وقود لاقتصاد التفاهة.
ما قام به أوزين اليوم، ليس مجرد موقف سياسي، بل هو دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لمهنة تعاني في صمت. إنها لحظة مواجهة حقيقية: إما أن ننتصر لإعلام مهني مسؤول، أو نترك الساحة لمن يحولون الكلمة إلى سلعة، والقيم إلى مادة للاستهلاك.
والواضح أن الكرة الآن في ملعب الحكومة… فهل تلتقط الرسالة؟




