زوايا و حوار

صحافة بلا أجور… حين يتحول عيد حرية التعبير إلى مرآة لأزمة مهنية عميقة

الأسود: عبد القادر بلمكي

ليس من الضروري أن نتفق مع كل ما جاء في الطرح، لكن من الصعب تجاهل الجرأة التي أثار بها محمد أوزين واحدًا من أكثر الملفات حساسية داخل الحقل الإعلامي المغربي. ففي وقت يمر فيه اليوم العالمي لحرية الصحافة في أجواء احتفالية في كثير من دول العالم، اختار أوزين أن يسبح عكس التيار، مسلطًا الضوء على زاوية مسكوت عنها: الوضع الاجتماعي والمهني للصحافيين.
هذا الطرح، بغضّ النظر عن خلفياته أو توقيته، يشكل تنويهًا مستحقًا بإعادة فتح نقاش ظل مؤجلًا لسنوات، ويضع الفاعلين في القطاع أمام مرآة الواقع، بعيدًا عن لغة المجاملات والشعارات الجاهزة. فإثارة هذا الملف بهذه الصراحة تعيد ترتيب الأولويات، وتنبه إلى أن حرية الصحافة لا يمكن فصلها عن كرامة الصحافي نفسه.
في سياق تخليد العالم لـاليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي أقرته اليونسكو تكريسًا لقيم حرية التعبير واستقلالية الإعلام، يطرح السياسي المغربي محمد أوزين قراءة نقدية حادة لواقع الصحافة الوطنية، كاشفًا عن مفارقة صادمة بين الشعارات المرفوعة والواقع الاجتماعي والمهني للصحافيين.
النص الذي نشره أوزين لا يقف عند حدود الاحتفاء الرمزي بهذه المناسبة، بل يحوّلها إلى مناسبة للمساءلة، حيث يرى أن “عيد الصحافة” في المغرب فقد معناه الحقيقي، بعدما أصبح حسب توصيفه أقرب إلى “مأتم مهني” يرثي فيه الصحافيون أوضاعهم الاجتماعية المتدهورة، في ظل ما وصفه بظاهرة “الصحافيين بلا أجور”.
أزمة اجتماعية تضرب جوهر المهنة
ينطلق التحليل من نقطة مركزية: تدهور الوضعية المعيشية للصحافيين. فالنص يسلط الضوء على إشكالية العمل دون أجر، وهي واحدة من أخطر الاختلالات التي يمكن أن تصيب قطاعًا يقوم أساسًا على الاستقلالية والنزاهة.
ويحذر أوزين من أن هذه الهشاشة لا تمس فقط كرامة الصحافي، بل تضرب في العمق مصداقية الإعلام، إذ يصبح الصحافي، تحت ضغط الحاجة، عرضة للتأثيرات والاختراقات التي قد تمس خطه التحريري.
صمت مريب ومسؤوليات غائبة
من بين أبرز النقاط التي يثيرها المقال، انتقاده لما وصفه بـ“الصمت الثقيل” داخل بعض المنابر الإعلامية والهيئات المهنية. هذا الصمت، بحسب الطرح، يفاقم الأزمة بدل معالجتها، ويطرح تساؤلات حول دور المؤسسات التي يُفترض أن تدافع عن حقوق الصحافيين.
كما يوجه أوزين انتقادات لاذعة لبعض الفاعلين في المشهد الإعلامي، متهمًا إياهم بالانشغال بالإثارة والبحث عن نسب المشاهدة، بدل الانخراط في الدفاع عن القضايا الجوهرية للمهنة.
مفارقة الدعم العمومي والواقع المهني
يتوقف المقال عند نقطة حساسة تتعلق بالمؤسسات الإعلامية المستفيدة من الدعم العمومي، متسائلًا عن مدى التزامها بشروط الشغل اللائق.
هذا الطرح يعيد النقاش إلى إشكالية الحكامة داخل القطاع، خصوصًا في ما يتعلق بتوزيع الموارد المالية، سواء من الإشهار أو الدعم، ومدى انعكاسها على تحسين أوضاع الصحافيين.
إشكال أخلاقي وهيكلي
يتجاوز المقال البعد الاجتماعي ليصل إلى توصيف الأزمة كإشكال أخلاقي وهيكلي داخل الجسم الصحفي. فوجود “أقلية مستفيدة” مقابل “أغلبية تعاني” يعكس، حسب النص، خللًا عميقًا في بنية القطاع، ويهدد ما تبقى من ثقة الجمهور في الإعلام.
كما ينتقد أوزين ما يعتبره انحرافًا في النقاش العمومي، حيث يتم وفق تعبيره تحويل الأنظار نحو صراعات جانبية وشخصنة القضايا، بدل معالجة الإشكالات الحقيقية.
دعوة لإعادة ترتيب البيت الداخلي
في ختام تحليله، يوجه أوزين دعوة صريحة إلى مختلف المتدخلين:
السلطات الحكومية لفرض احترام قوانين الشغل
الهيئات المهنية للخروج من “الحياد السلبي”
المؤسسات الإعلامية لتحمل مسؤوليتها الأخلاقية
وهي دعوة تعكس إدراكًا بأن إصلاح القطاع لا يمكن أن يتم إلا من خلال مقاربة شمولية تعيد الاعتبار للصحافي كفاعل أساسي في البناء الديمقراطي.

يقدم نص محمد أوزين قراءة نقدية جريئة لواقع الصحافة المغربية، حيث تتحول مناسبة عالمية للاحتفاء بحرية التعبير إلى لحظة كشف عن أزمة عميقة تمس جوهر المهنة. وبين هشاشة الأوضاع الاجتماعية واختلالات البنية المهنية، يبقى السؤال الذي يطرحه المقال
كيف يمكن لصحافة تعاني من أزمات داخلية حادة أن تؤدي دورها في مراقبة المجتمع والدفاع عن قضاياه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى