كأس أمم إفريقيا

حين تُدار المنتخبات بالارتجال… من يتحمل مسؤولية اهتزاز أداء أشبال الأطلس؟

الأسود : عبد القادر بلمكي

 

 

بلوغ نصف نهائي كأس إفريقيا لأقل من 17 سنة يظل في الظاهر نتيجة إيجابية، بل ويمكن اعتباره الحد الأدنى الذي كان مطلوبًا من المنتخب الوطني المغربي بالنظر إلى قيمة المواهب التي يتوفر عليها الجيل الحالي. لكن كرة القدم الحديثة لا تُقاس فقط بالنتائج، بل كذلك بطريقة اللعب، بالهوية التقنية، وبالعمل القاعدي الذي يسبق المنافسات بسنوات، لا بأسابيع قليلة.

وأمام منتخب السنغال في نصف النهائي، ظهر المنتخب الوطني U17 بصورة متذبذبة أثارت الكثير من علامات الاستفهام. فريق يملك أسماء واعدة ومؤهلات فردية كبيرة، لكنه افتقد في لحظات عديدة للانسجام الجماعي، وللأوتوماتيزمات التي تُبنى عادة عبر الاستقرار التقني والعمل طويل المدى. هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل المشكل في اللاعبين؟ أم في طريقة تدبير المنتخب منذ البداية؟

تعيين مدرب جديد قبل أشهر قليلة فقط من انطلاق كأس إفريقيا يبدو قرارًا يحتاج إلى مراجعة عميقة. فالمنتخبات السنية ليست فرقًا تُجمع في أيام معدودة، بل مشاريع تكوين تحتاج إلى وقت، وإلى تراكم العمل والتفاهم بين اللاعبين والطاقم التقني. لذلك كان من الطبيعي أن يظهر الارتباك في الأداء، خاصة في خط الوسط، حيث بدا الثلاثي بنطالب وبنصالح وحديدي بعيدين عن مستواهم الحقيقي، ليس بسبب نقص الجودة، بل بسبب غياب الانسجام التكتيكي الواضح.

الأمر نفسه ينطبق على بعض العناصر الهجومية، وعلى رأسها براهيم الرباج، الذي يملك مؤهلات تقنية ومهارية كبيرة، لكن طريقة توظيفه داخل رقعة الميدان لم تساعده على إبراز إمكانياته. فاللاعب المراوغ والسريع يحتاج إلى استلام الكرة في مناطق قريبة من مربع العمليات، لا أن يُطلب منه بناء الهجمة من مسافات بعيدة تستهلك مجهوده وتُفقده خطورته.

كما أن إسماعيل العود، الذي سبق أن بصم على مستويات مميزة في فترات سابقة، بدا أقل تأثيرًا مقارنة بما قدمه تحت قيادة المدرب السابق سعيد باها، سواء في المنافسات القارية أو العالمية. وهذا يعيد النقاش مجددًا حول أهمية الاستمرارية التقنية في الفئات السنية، لأن تغيير المدربين المتكرر ينعكس مباشرة على تطور اللاعبين وعلى استقرار المجموعة.

النقد هنا لا يجب أن يتحول إلى هجوم أو تصفية حسابات، لأن المنتخب يضم مواهب واعدة قادرة على تشريف الكرة المغربية مستقبلًا. لكن النقد البناء يفرض طرح الأسئلة التي يتهرب منها البعض: من كان وراء هذا الاختيار التقني؟ ولماذا تم تغيير النهج قبل موعد قاري مهم بفترة قصيرة؟ وهل أصبحت المنتخبات السنية مجالًا للتجارب بدل أن تكون مشاريع استراتيجية واضحة المعالم؟

العمل الصحيح هو ما يحدث اليوم مع منتخب أقل من 16 سنة، حيث يتم الاشتغال مبكرًا على المجموعة التي ستمثل المغرب مستقبلًا في فئة U17. هذا هو المنطق الكروي السليم: الاستمرارية، التدرج، ومنح الوقت الكافي للمدرب لبناء فريق متجانس.

أما الحكم النهائي على المدرب الحالي، فلا يمكن أن يكون منصفًا إلا إذا مُنح الوقت الكافي للعمل منذ البداية، لا أن يُطلب منه تحقيق المعجزات في ظرف زمني قصير. لكن، وفي المقابل، فإن المسؤولية الكبرى في تذبذب مستوى المنتخب تبقى مسؤولية الإدارة التقنية الوطنية، لأنها الجهة التي تخطط، وتختار، وتحدد توقيت القرارات.

وفي كرة القدم، القرارات المتأخرة قد تمنحك نتيجة مؤقتة… لكنها نادرًا ما تصنع منتخبًا للمستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى