لماذا يقوم اللاعبون والمشجعون اليابانيون بتنظيف المدرجات بعد مباريات كأس العالم؟
الأسود: محمد عمامي

أحد أكثر التقاليد المحبوبة في بطولات كأس العالم خلال النسخ الأخيرة يتمثل في مشهد المشجعين اليابانيين وهم يقضون ساعات في جمع النفايات وتنظيف المدرجات بعد انتهاء مباريات منتخبهم. وقد استمر هذا التقليد خلال بطولة هذا الصيف، حيث شوهد أنصار المنتخب الياباني وهم يزيلون جميع المخلفات داخل ملعب دالاس في مدينة أرلينغتون عقب التعادل المثير بين اليابان وهولندا (2-2) يوم أمس الأحد.
ولا يقتصر الأمر على الجماهير فقط، إذ يحظى لاعبو المنتخب الياباني وأفراد جهازه الفني أيضًا بإشادة واسعة بسبب تركهم غرف الملابس في حالة نظيفة ومنظمة بعد المباريات. وقد تكرر ذلك بعد مواجهة هولندا، حيث تُركت أكياس القمامة والمناشف والمخلفات الأخرى مرتبة بعناية في وسط غرفة الملابس.
وقد ظهرت عادة تنظيف الجماهير اليابانية للمدرجات لأول مرة خلال المشاركة الأولى لليابان في كأس العالم عام 1998، ومنذ ذلك الحين أصبحت تقليدًا مستمرًا في كل نسخة من البطولة، بما في ذلك مونديال قطر 2022.
وتعود جذور هذا السلوك إلى النظام التعليمي الياباني، حيث يتربى الأطفال على مقولة شهيرة: “الطائر لا يترك وراءه شيئًا”. ويعني هذا المبدأ ببساطة أن تترك المكان نظيفا كما وجدته عند دخولك له. وقال أحد المشجعين لموقع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) إن التنظيف بعد المباريات جزء طبيعي من الثقافة اليابانية: “هذه هي ثقافتنا. الأمر يتعلق بالاحترام؛ احترام اللاعبين والمشجعين وكذلك احترام الملعب. نحن نشعر بالفخر لوجودنا هنا، لذلك لا نريد أن نترك الفوضى خلفنا ونغادر.”
وأوضح أحد المشجعين اليابانيين لشبكة CNN أنه كان يكره تنظيف المدرسة عندما كان صغيرًا، لكنه يرى أن ملاعب البطولات الكبرى تعد “أماكن مقدسة” ويجب التعامل معها بالشكل اللائق، حيث قال: “الملاعب ليست مكانًا يمكنك أن تفعل فيه ما تشاء فقط لأنك دفعت ثمن التذكرة. إذا كان هناك شيء تهتم به حقًا، فلن ترغب في ترك المكان المهم بالنسبة لك في حالة فوضى، لذلك تقوم بتنظيفه.”
وشارك لاعب كرة القدم الأمريكية جايميس وينستون، نجم فريق نيويورك جاينتس، في حملة التنظيف بعد مباراة هولندا، حيث ظهر مرتديًا قميص المنتخب الياباني ويحمل كيسًا أزرق لجمع القمامة.
وأصبح لاعبو اليابان معروفين أيضًا بترك غرف الملابس في حالة مثالية، إلى جانب رسائل شكر مكتوبة باللغة المحلية للدولة المستضيفة لكل بطولة كبرى. من جانبه، أكد مدرب المنتخب الياباني هاجيمي مورياسو أن هذا السلوك يعد أمرًا طبيعيًا بالنسبة لليابانيين، وهو التصريح الذي أدلى به خلال كأس العالم 2022، ويعكس فلسفة راسخة في الثقافة اليابانية تقوم على الاحترام والمسؤولية الجماعية والمحافظة على الأماكن العامة.
ولعل ما استوقفني هنا رسالة الشكر التي يتركها منتخب اليابان باللغة المحلية، وعيا منه بأهمية التنظيم واستضافة الوفود وبدل الجهود ليكون الكل راضيا. المفارقة كبيرة مع ما تتركه بعض المنتخبات من أزبال ونفايات، وأحيانا بقايا ما كسرته خلفها لتخرج بتصريحات أقل ما يقال عنها أنها جاحدة ولا تعرف معنى لشكر الناس والتنويه بإنجازاتهم. ولنا في منتخب اليابان الذي يعرف أصول التربية وحسن الأخلاق خير نموذج لمن يبحث فعلا عن تحسين والرقي بسلوكه، والمقصودون بالرسالة، ممن يتبولون في الملاعب ويكسرون التجهيزات الموفرة لراحتهم، معروفون.






