كأس العالم 2026: إقصاء البرتغال والوداع غير اللائق برونالدو، أحد أعظم لاعبي كرة القدم في العصر الحديث
الأسود : محمد عمامي

كانت لحظة المرور في الممرات الخلفية للملعب كافية لتروي قصة المحطة الأخيرة في مسيرة كريستيانو رونالدو. سار والدموع تنهمر على وجهه، وسط مجموعة من لاعبي المنتخب البرتغالي، الذين كان من الطبيعي أن يحيطوه بالمواساة والدعم. لكن أحداً لم يفعل. حتى روبن دياز، الذي كان الأقرب إليه، ظل يحدق إلى ا لأمام بوجه جامد. وهكذا، قطع رونالدو خطواته الأخيرة وحيداً.
كان اللاعبون يدركون ذلك، وكذلك البرتغال بأكملها. فقد كان الوفاء المطلق لمنتخبها تجاه من يُعد ربما أعظم لاعب في تاريخها الكروي يحمل ثمناً باهظاً. فهزيمة إسبانيا كانت تحتاج إلى عبقرية تظهر في اللحظات القليلة التي تتاح خلالها الفرص. إنها العبقرية نفسها التي أظهرها رونالدو في مدينة سوتشي خلال المباراة الافتتاحية للبرتغال في كأس العالم 2018، عندما سجل ثلاثية تاريخية وقاد منتخباً كان أقل مستوى من إسبانيا. وبعد ثماني سنوات، انقلب المشهد؛ فلم يعد رونالدو يحمل البرتغال، بل أصبحت البرتغال هي التي تحمله.
ظهرت بعض اللمحات من مجده الآفل. مراوغته ثم تسديدته التي أجبرت أوناي سيمون على التصدي، والكرة التي تمكن بطريقة مذهلة من تسديدها بقدمه اليسرى بعد عرضية بيدرو نيتو التي ارتدت إليه بالرأس. لكن بالنسبة لكل من حظي بمتابعة هذا الإعصار الكروي في أوج عطائه — عندما ارتقى عالياً ليسجل برأسه في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا بقميص مانشستر يونايتد أمام روما في ملعب الأولمبيكو عام 2008، أو عندما أذهل العالم بهدفه المقصي الرائع مع ريال مدريد في شباك يوفنتوس في الدور نفسه بعد عشرة أعوام — كان هناك حزن عميق لا يوصف في الطريقة التي انتهت بها هذه الرحلة.
الأرقام روت جانباً من القصة؛ فقد لمس رونالدو الكرة 19 مرة فقط طوال المباراة، منها سبع لمسات لا غير في الشوط الثاني. لكن تعابير وجوه زملائه كشفت ما هو أكثر من الأرقام. يكفي النظر إلى ملامح بيدرو نيتو بعدما انطلق في إحدى هجمات الشوط الثاني باحثاً عن صناعة الفرصة الحاسمة. كان رونالدو قد تمركز عند القائم البعيد، لكن عندما وصلت الكرة، لم يعد يمتلك تلك الانطلاقة الصاروخية التي كانت تقوده إلى منطقة الستة أمتار لاقتناصها، فضاعت الفرصة.
كانت مسيرة كريستيانو رونالدو وحيداً نحو نفق اللاعبين بعد خسارة البرتغال أمام إسبانيا كافية لتختصر المشهد بأكمله. وفي سن الحادية والأربعين، انكشف التراجع الواضح في قدراته كمهاجم أمام المنتخب الإسباني.
كانت إسبانيا تدرك ذلك أيضاً، واستمتعت باستغلاله. فعندما واجهت البرازيل منتخب النرويج في نيوجيرسي قبل ثلاثة أيام، كان تهديد إرلينغ هالاند الهجومي كبيراً إلى درجة أنها لم تجرؤ على التقدم بخط دفاعها خشية منحه فرصة الانفراد بالمرمى، فاضطرت إلى التراجع إلى نصف ملعبها. أما أمام البرتغال، فقد لعب الإسبان بخط دفاع متقدم وبحرية كاملة، وهم واثقون من أن المهاجم البرتغالي البالغ من العمر 41 عاماً لن يشكل خطراً حقيقياً عليهم، وأنهم سيتمكنون دائماً من احتوائه.
كانت المباراة تصرخ مطالبة بإشراك غونسالو راموس، الذي كان نزوله بديلاً لرونالدو حاسماً في مباراة دور الـ32 أمام كرواتيا. لكنه لم يدخل أرض الملعب، ومع مرور الوقت بدا المنتخب البرتغالي وكأنه يلعب حول رونالدو بدلاً من اللعب من خلاله. وخلال الدقائق الأخيرة اليائسة، عندما أُرسلت إحدى العرضيات، كان برناردو سيلفا، الذي لا يتجاوز طوله 173 سنتيمتراً، هو من قفز لمحاولة الوصول إليها. ثم جاءت عرضية أخرى، فقفز جواو نيفيش، البالغ طوله نحو 175 سنتيمتراً، لمحاولة استغلالها.
وهي نهاية لا تليق ببطل ألهب حماس الجماهير على مستوى العالم ولم يكن برتغاليا فقط، ولكن محبوب الجميع لمستواه الكبير ولمواقفه المتميزة من القضايا العادلة. فصبر جميل لكريستيانو لأن الحياة ليست عادلة دائما.





