أخبار متنوعة

محمد زمان.. حين تختبر المحنة وفاء الذاكرة.. ساق غابت وقامة إعلامية لا تنحني

الأسود : عبد القادر بلمكي

 

لم يكن خبر المحنة الصحية التي ألمّت بالزميل والصديق محمد زمان خبرًا عابرًا بالنسبة إليّ، بل كان من الأخبار التي يصعب على المرء استقبالها دون أن تستيقظ في ذاكرته سنوات طويلة من الصداقة والزمالة والمواقف المشتركة.
فحين علمت بما تعرض له هذا الإعلامي الرياضي المغربي، وما ترتب عن وضعه الصحي من بتر ساقه اليسرى، استحضرت مسار رجل جمعني به العمل الإعلامي والعديد من المحطات الرياضية، داخل المغرب وخارجه، حيث تقاسمنا تغطية تظاهرات وطنية ودولية، وكانت المهنة تجمعنا في الميدان، كما جمعتنا أواصر الاحترام والتقدير والصداقة.
إن محمد زمان ليس مجرد اسم مرّ عبر الشاشة المغربية، بل هو واحد من الوجوه الإعلامية التي ساهمت في تشكيل ذاكرة الرياضة الوطنية، من خلال مسار مهني امتد لسنوات، اتسم بالجدية والرصانة والالتزام بأخلاقيات المهنة.
من شغف كرة القدم إلى احتراف الإعلام
تعود البدايات الأولى لمحمد زمان إلى أحياء منطقة سيدي عثمان بالدار البيضاء، حيث نشأ وترعرع، وهناك ارتبط مبكرًا بكرة القدم، ومارسها ضمن صفوف فريق وفاء وداد، قبل أن يتجه إلى الدراسة والتكوين الإعلامي، مستفيدًا من تشجيع أسرته، ليحصل على تكوينه بالمعهد العالي للصحافة.
وفي سنة 1989، التحق بالإذاعة والتلفزيون المغربي، فاتحًا بذلك صفحة جديدة في مساره المهني، سرعان ما أثبت خلالها حضوره بفضل ثقافته الرياضية، وأسلوبه الهادئ في التعليق، وقدرته على تقديم المادة الإعلامية برصانة ومهنية.
وعلى امتداد سنوات عمله، واكب العديد من المحطات والتظاهرات الرياضية الكبرى، وكان حضوره في الميدان جزءًا من تجربة إعلامية غنية، جعلت منه أحد الأسماء التي تحظى بالاحترام داخل الوسط الرياضي والإعلامي.
وفي سنة 2012، أنهى مساره الوظيفي بالتلفزيون، لكن علاقته بالإعلام لم تنتهِ عند هذا الحد؛ فقد ظل حاضرًا بكتاباته وتحليلاته وآرائه، كما واصل تقاسم خبرته مع الأجيال الصاعدة، مساهمًا في تكوين طلبة الصحافة ونقل ما راكمه من تجربة مهنية.
زمالة الميدان وذاكرة التظاهرات الرياضية
شخصيًا، تربطني بالزميل محمد زمان سنوات من التعارف والعمل المشترك، جمعتنا خلالها محطات رياضية متعددة، سواء داخل المغرب أو في عدد من التظاهرات خارج أرض الوطن.
ولعل ما يميز زمالة الميدان أنها لا تُقاس فقط بعدد اللقاءات أو المناسبات، وإنما بما تتركه من ذكريات ومواقف إنسانية ومهنية. فقد كانت لنا محطات تقاطعنا فيها في فضاءات رياضية مختلفة، وكان يجمعنا الانتماء إلى مهنة نعرف جيدًا حجم مسؤوليتها وتضحياتها.
ومن هنا، فإن وقع هذا الخبر كان مؤلمًا بالنسبة إليّ، ليس فقط لأن الأمر يتعلق بصديق وزميل عزيز، ولكن لأننا نتحدث عن رجل أعطى سنوات من عمره للإعلام الرياضي المغربي، وكان حاضرًا في صناعة ذاكرته وتوثيق أحداثه.
المحنة لا تلغي قيمة الإنسان ولا تاريخه
إن بتر ساق محمد زمان يمثل محنة صحية قاسية، لا يمكن التقليل من آثارها على حياته اليومية، غير أن قيمة الإنسان لا تختزل في قدرته الجسدية على الحركة، ولا تتحدد مكانته بما فقده، بل بما قدمه وما تركه من أثر.
وما نتمناه لزميلنا العزيز هو أن يتجاوز هذه المرحلة الصعبة بالصبر والإيمان، وأن يجد في أسرته وأصدقائه وزملائه كل الدعم المعنوي والإنساني الذي يحتاج إليه.
إنها مناسبة أيضًا لنتساءل عن معنى التضامن داخل الأسرة الإعلامية والرياضية: أليس من واجبنا أن نقف إلى جانب من تقاسموا معنا سنوات العمل والعطاء؟ أليس من حق إعلامي أفنى جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة الرياضة والإعلام أن يحظى اليوم بالتفاتة تليق بمساره؟
دعوة إلى مبادرة تضامنية وتكريمية

إننا اليوم أمام فرصة حقيقية لترجمة مشاعر المحبة والتقدير إلى مبادرة عملية، من خلال التفاتة تضامنية تشارك فيها المؤسسات الإعلامية والهيئات الرياضية والزملاء والفعاليات المهنية، إلى جانب تنظيم تكريم يليق بمسار محمد زمان وما قدمه للإعلام الرياضي المغربي.

فالتكريم ليس مجرد لحظة احتفالية أو شهادة تقديرية، بل هو تعبير عن الاعتراف والوفاء، ورسالة إلى الأجيال الجديدة بأن هذه المهنة لا تنسى أبناءها، وأن سنوات العطاء لا ينبغي أن تطويها صفحات النسيان.

أخي وصديقي محمد زمان..

قد تكون المحنة قد فرضت عليك واقعًا صحيًا جديدًا، لكن ما قدمته للإعلام الرياضي سيظل حاضرًا، وما جمعنا من زمالة وذكريات سيظل جزءًا من ذاكرة الميدان.

نسأل الله العلي القدير أن يمنّ عليك بالصبر والقوة والعافية، وأن يحيطك برعايته، وأن يجعل القادم من أيامك أفضل وأجمل.

لك منا كل المحبة والتقدير والوفاء، لأن الرجال الذين أعطوا لمهنتهم يستحقون أن نقف إلى جانبهم، لا أن نكتفي باستحضار أسمائهم بعد فوات الأوان.

محمد زمان.. سلامتك أولًا، ومكانتك محفوظة، وذاكرة الزمالة لا تنسى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى