
في زمن تكاد فيه السياسة تدفن ما تبقى من أخلاق وتجز روابط الإخاء والتمازج بين بني البشر، زمن فقدت فيه التعاريف جوهرها وتحولت إلى هياكل فارغة، تخرج الرياضة لتنقد ماء الوجه بأصوات تتعالى من هنا وهناك، تشجب قبح الواقع المرير، وتبحث عن موطأ قدم في جغرافية سمجة تآكلت حدودها وتلاشت معالمها كما تآكلت ملامح الإنسان الغزي في زمن الهيمنة الإمبريالية التي تحولت إلى “قوة ناعمة” عملا بسنة التطور والارتقاء.
مناسبة الحديث إقدام النادي الألماني فورتونا دوسلدورف على التراجع عن ضم اللاعب الدولي الإسرائيلي شون فايسمان بسبب مواقفه حول غزة. فقد أعلن نادي فورتونا دوسلدورف، الذي ينشط في دوري الدرجة الثانية الألماني، يوم الثلاثاء الماضي تراجعه عن التعاقد مع المهاجم المذكور، وذلك بعدما أظهر الأخير دعمه للحرب على غزة عقب هجمات 7 أكتوبر 2023.
وقال النادي في بيان مقتضب على حساباته الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي: “لقد درسنا ملف اللاعب، غير أننا قررنا في النهاية عدم التعاقد معه”.
وكانت صحيفة “بيلد” الألمانية قد كشفت يوم الإثنين الماضي أن اللاعب كان قريبًا جدًا من التوقيع للنادي، بل واجتاز الفحص الطبي بالفعل، إلا أن إدارة النادي اكتشفت – ولكن بعد فوات الأوان – أن اللاعب قد دعا في أكتوبر 2023 إلى “محو غزة من الخريطة” و”إلقاء 200 طن من القنابل” على القطاع الفلسطيني، وفقًا لمنشورات سابقة له.
محاولات اللاعب الذي سارع لاحقًا إلى حذف تلك المنشورات لم تجد نفعا رغم تصريحه بأنه ارتكب خطأ وكتب ما كتبه تحت تأثير الصدمة والانفعال. وكان النادي قد اتخذ قراره بالتخلي عن التعاقد عقب الضغوطات الكبيرة التي مارستها جماهير النادي التي عبرت عن غضبها الشديد لاستقدام لاعب لا يجسد الروح الرياضية، بل ويعبر عن مواقف سادية تغدي ثقافة الحقد، ولا تشرف جماهير النادي.
تصريحات اللاعب السابقة بتوجيه طلقات الجنود لرؤوس الفلسطينيين مباشرة أثارت حفيظة الجماهير الألمانية التي اتخذت موقفا مشرفا وكسبت تعاطف جماهير إضافية من خارج ألمانيا، بإعلان رفضها المطلق لانضمام لاعب يجسد ثقافة الكراهية ويعمل على نشر قيم الإبادة التي لا تمت بصلة للرياضة وأخلاقها.
تلك قيم الرياضة التي يجب أن تنتصر في عالم فقد البوصلة ويتجه بخطى حثيثة نحو النظام العالمي الجديد المبني على فكرة “البقاء للأقوى”، الذي تم التبشير به في أواخر تسعينيات القرن الماضي.






