
حين نتحدث عن أي رياضة جماعية أو فردية، فإن المدخل الطبيعي لبنائها يبدأ من التكوين والتأطير. فبدون مدارس قاعدية، وبدون مؤطرين مؤهلين، تظل كل الجهود مجرد محاولات موسمية لا تؤسس لمستقبل ولا تخلق قاعدة صلبة قادرة على الاستمرارية.
رياضة الهوكي على الجليد في المغرب لا تشكل استثناءً، بل إنها تعيش حالة أكثر تعقيداً، لأنها انطلقت من فراغ، ومن دون رؤية واضحة المعالم تضع الأولويات في مكانها الصحيح. فبدل أن يتم الاستثمار في تكوين الفئات الصغرى، وتأهيل المدربين، وخلق برامج مدرسية وجامعية لنشر هذه اللعبة، ظل التركيز على أنشطة متقطعة، تفتقد للعمق الاستراتيجي.
منذ سنوات، تم الحديث عن مشاريع كبيرة لإدماج الهوكي في المنظومة الرياضية الوطنية، لكن سرعان ما اصطدمت هذه الطموحات بعائق غياب التكوين. فلا وجود لمدارس حقيقية متخصصة، ولا لبرامج منظمة قادرة على إنتاج أجيال تحمل المشعل مستقبلاً.
فكيف يمكن بناء منتخب وطني قوي دون قاعدة صغرى؟ وكيف يمكن الحديث عن منافسة قارّية أو دولية في غياب لاعبين نشأوا داخل مسار تكويني متدرج؟
في هذا السياق، يطرح المتتبعون سؤالاً جوهرياً حول دور المدير التقني للجامعة:
هل يتوفر على تكوين أكاديمي أو عملي في هذه الرياضة؟
هل سبق له أن أشرف على مدرسة أو مشروع تكوين حقيقي في الهوكي؟
وهل استطاع أن يضع اللبنات الأولى لقاعدة تكوينية تعطي ثمارها لاحقاً؟
الأكثر إثارة للجدل أن المنصب التقني يُصرف عليه مبلغ مالي مهم، بينما تظل الحصيلة غامضة، في غياب نتائج ملموسة على أرض الواقع أو برامج واضحة مؤطرة. وهنا تكمن المفارقة: موارد مالية مرصودة، لكن غياب فعلي للمنتوج الرياضي.
لقد صرفت ميزانيات لا يستهان بها، سواء في بناء وتجهيز بعض الحلبات التي انتهت إلى أنشطة غير مرتبطة بالهوكي، أو في تمويل أنشطة عابرة لا تُسهم في بناء قاعدة دائمة. هذا الواقع يعكس خللاً في الأولويات، إذ كان من الأجدر أن يُستثمر المال العام في تكوين الأطر والمدربين، وفتح مدارس جهوية، وربط شراكات مع مدارس الهوكي في الخارج لتأهيل الكفاءات.
مستقبل الرياضة بين التدارك والإصرار على النهج نفسه
إن السؤال المطروح اليوم هو: هل الجامعة مستعدة لتصحيح المسار والاعتراف بأن التكوين هو أساس أي نجاح رياضي؟ أم أنها ستواصل السير في الاتجاه نفسه، حيث تغيب الرؤية ويضيع المال العام في أنشطة موسمية لا أثر لها على المدى البعيد. الهوكي على الجليد في المغرب يستحق أن يمنح له مسار جدي مبني على التكوين، بدل أن يظل مجرد صورة إعلامية مؤقتة. فالتاريخ الرياضي لا يرحم، ولا يُسجل سوى من ترك أثراً في بناء قاعدة حقيقية ونجاحات ملموسة.






