وقفة احتجاجية بسلا تُفشل الجمع العام للجمعية السلاوية لكرة القدم… بين كذبة النصاب وغضب الجماهير
الأسود : عبد القادر بلمكي

في مساء مشحون بالعاطفة والجدل، تحوّل ملعب بوبكر عمار بمدينة سلا إلى ساحة غليان جماهيري بدل أن يحتضن الجمع العام العادي لفريق الجمعية السلاوية لكرة القدم. فبينما كان المنتظر أن يشكّل هذا الجمع محطة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للنادي ووضع خارطة طريق جديدة، جاءت الأحداث عكس التوقعات، لتكشف عن عمق أزمة هيكلية تهدد حاضر ومستقبل واحد من أعرق الأندية المغربية.
جمهور غاضب… ومشهد غير مألوف
منذ الساعات الأولى، بدأت الحشود تتوافد على محيط الملعب، حاملين لافتات ومرددين شعارات صاخبة تطالب بمحاسبة المكتب المسير. لم يكن المشهد عاديًا: رجال ونساء، شباب وكهول، جميعهم جاؤوا بدافع واحد وهو التعبير عن رفضهم لما وصفوه بـ”العبث” الذي أوصل الفريق إلى الانحدار نحو قسم الهواة.
أصوات الجماهير تعالت: “الجمعية كبيرة عليكم… كفى عبثًا… نريد إنقاذ الفريق”. كلمات تحمل بين طياتها الغضب واليأس، لكنها في الوقت ذاته تختزن حبًا عميقًا لنادٍ ارتبط بتاريخه وذاكرته الجماعية.
إعلان التأجيل… ذريعة النصاب القانوني
في خضم هذا الاحتقان، أعلن المكتب المسير أن الجمع العام لن ينعقد، مبررًا ذلك بـ”عدم اكتمال النصاب القانوني”. قرار فاجأ كثيرين وأثار موجة من الاستنكار، خاصة بعدما تكشفت معطيات دقيقة تدحض هذا الادعاء.
عدد المنخرطين المصرح بهم: 22 عضوًا.
النصاب القانوني المطلوب: 12 عضوًا فقط.
عدد أعضاء المكتب المديري المرشح: 14 عضوًا.
منطق الأرقام يقول بوضوح إن النصاب كان متوفرًا، بل إن عدد أعضاء المكتب المرشحين وحدهم يفوق النصاب المطلوب. وهنا تبرز المفارقة: كيف يتحدث المكتب عن غياب النصاب، بينما وجوده كان مضمونًا؟ وهل يعني ذلك أن أعضاء المكتب أنفسهم اختاروا الغياب عن الموعد، في سلوك يُفسَّر على أنه تهرّب من مواجهة القاعدة والمنخرطين؟
الجامعة على الخط… والورقة التي كشفت المستور
الأمر لم يتوقف عند حدود الجماهير الغاضبة. الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم دخلت على الخط قبل أيام من الجمع، حيث راسلت المكتب المسير مطالبةً بمدّها باللائحة الرسمية للمنخرطين. الجامعة شددت في مراسلتها أن أي جمع يُعقد في غياب هذه اللائحة سيكون ملغى وغير قانوني.
لكن المكتب، كما تشير المصادر، لم يلتزم بالشرط، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام جدل قانوني: هل كان قرار التأجيل مرتبطًا بضغوط الجامعة؟ أم أنه مجرد شماعة لإخفاء الانقسام الداخلي والعجز عن تدبير مرحلة انتقالية؟
غضب الجماهير… أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة نتائج
الجماهير السلاوية لم تُخفِ خيبة أملها من هذا “الهروب إلى الأمام”. فبالنسبة لها، الأزمة لم تعد مجرد هزائم داخل الملعب أو نزولًا إلى قسم الهواة، بل أصبحت أزمة ثقة في التسيير والتدبير.
أحد المشجعين عبّر عن ذلك قائلاً: “المكتب يختبئ وراء النصاب، لكن الحقيقة أنهم لا يريدون مواجهة الجماهير والمنخرطين… الجمعية ملك للمدينة، وليست ملكًا لأشخاص”، وهي شهادة تلخص الموقف العام للجمهور.
بين الماضي العريق والحاضر المأزوم
الجمعية السلاوية ليست فريقًا عابرًا في تاريخ الكرة المغربية، بل مدرسة أنجبت أسماء ونجوماً، ولها حضور تاريخي في ذاكرة الدوري المغربي. غير أن الحاضر يبدو بعيدًا كل البعد عن ذلك الإرث، إذ تعيش الجمعية اليوم وضعية كارثية: انقسام داخلي، أزمة مالية خانقة، وتراجع رياضي خطير.
هذه الهوة بين التاريخ والحاضر كانت وقودًا للاحتجاجات، إذ لم يقبل الجمهور أن يتحوّل الفريق من رمز مدرسي إلى كيان يتخبط في الهواة بلا رؤية ولا مشروع.
ما بعد الوقفة… أسئلة بلا أجوبة
ما وقع أمام ملعب بوبكر عمار يطرح أسئلة عميقة:
هل المكتب المسير فقد شرعيته فعلاً أمام الشارع الرياضي السلاوي؟
هل الجامعة ستتدخل بشكل مباشر لفرض حل أو لجنة مؤقتة لتسيير المرحلة المقبلة؟
من يتحمل مسؤولية ما آل إليه الوضع: الأشخاص، المنظومة، أم غياب الإرادة الجماعية لإنقاذ الفريق؟
الشيء المؤكد أن تأجيل الجمع لم يكن نهاية المشهد، بل بداية فصل جديد من الصراع بين الجماهير الغاضبة ومكتب مسير يعيش عزلة متزايدة. وفي الوقت الذي يطالب فيه الجمهور بفتح صفحة جديدة وإشراك كل الفاعلين من قدماء اللاعبين والغيورين على النادي، يظل مصير الجمعية السلاوية معلقًا بقرارات قادمة ستحدد مستقبلها القريب.
الخلاصة
الجمع العام للجمعية السلاوية كان من المفترض أن يكون لحظة للمكاشفة والمحاسبة، لكنه تحوّل إلى مشهد عبثي جمع بين الغياب المبرَّر بكذبة النصاب والغضب الجماهيري العارم. وبينما تظل الأزمة قائمة، يبقى الأمل معلقًا على تدخل العقلاء من داخل وخارج أسوار النادي لإعادة الروح إلى فريق لطالما كان جزءًا من هوية مدينة سلا الرياضية.






