أخبار متنوعة

حين يرتقي الفكر… يصبح الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام

بقلم: عبد القادر بلمكي

في زمن تتداخل فيه الأصوات وتختلط فيه النوايا بين النقد والإساءة، وبين الغيرة المهنية والبحث عن الظهور، لفت انتباهي نصّ بديع كتبه زميلي وأستاذي عبد الهادي الناجي. نصّ لم يعتمد الصخب ولا الاتهام، بل قدّم فكرة واضحة بلغة هادئة، وعمقًا يلامس جذور الأزمة التي يعيشها المشهد الإعلامي. ولأن الكلمات الصادقة تجد طريقها إلى القلب دون أن ترتفع نبرة صاحبها، فقد حملني ما قرأته إلى كتابة هذه السطور، وفاءً للمعنى، وتقديرًا للفكرة، واحترامًا لقيمة الكلمة حين تكون رسالة لا مجرّد موقف.

وليس هذا الاهتمام جديدًا بالنسبة لي؛ فقد سبق لزميلي حسن العطافي أن أثار موضوعًا مهمًا يتعلق بمستقبل المهنة وأخلاقياتها، وهو موضوع تفاعلت معه آنذاك بنفس التقدير. ومن هنا أجدني اليوم مضطرًا – أو بالأحرى متشرفًا – بتجديد شكري لزملائي عبد الهادي الناجي وحسن العطافي، لما يُظهرانه دائمًا من غيرةٍ صادقة على الجسم الإعلامي، ولما يسهمان به من نقاشات تعلي من شأن المسؤولية الفكرية والمهنية.

الإعاقة الحقيقية… ليست تلك التي تُرى

في مقاله العميق، وضع الأستاذ عبد الهادي الناجي تعريفًا جديدًا لمفهوم الإعاقة، تعريفًا يضع العقل قبل الجسد، والنية قبل الحركة، والضمير قبل الادعاء. فليس من يعاني ضعفًا جسديًا أقل قدرة على العطاء أو الإبداع، ولا من يستخدم كرسيًا أو عكازًا أقل قدرة على الوصول. بل إن بين هؤلاء من حوّلوا التجربة إلى قوة، والحدود الجسدية إلى طاقة مضيئة ألهمت محيطهم وأثبتت أن الإرادة أقوى من القيود.
وفي المقابل، هناك من يتحركون بخطوات ثابتة، لكنهم لا يتحركون فكريًا. يرفعون شعار الحرية دون أن يدركوا معناها، ويتحدثون عن حماية المهنة وهم أبعد الناس عن مبادئها. يكتبون كثيرًا… لكن قليلًا ما يفكرون. يطالبون بالإصلاح… لكنهم لا يبدأون بأنفسهم. أصواتهم مسموعة، لكن أثرهم محدود؛ لأن الكلمة تفقد قيمتها حين تُقال بلا مسؤولية.

الصحافة… ليست شعارًا بل سلوكًا

ما يحتاجه الجسم الإعلامي اليوم ليس ارتفاع الأصوات، بل ارتفاع مستوى الوعي.
وليس كثرة التصريحات، بل وضوح المواقف.
وليس ادعاء الدفاع عن المهنة، بل احترام أخلاقياتها.

فالصحافة في جوهرها التزام أخلاقي قبل أن تكون مهنة. هي مسؤولية الكلمة، ونزاهة القلم، وقدرة الصحفي على رؤية ما وراء الظاهر… بعقلٍ منفتح وضميرٍ حي.

أما من يعتبر النقد فرصة للتهجّم، والاختلاف مساحة للتصعيد، فإنما يضيف ظلًا آخر إلى المشهد بدل أن يضيئه. وهؤلاء، مهما علت أصواتهم، يظلون بعيدين عن روح المهنة، لأن الصحافة تُحمى بالصدق لا بالضوضاء، وتُصان بالمعرفة لا بالشعارات.

الفكر حين يضيء… لا يحتاج إلى شرح

الإعاقة، كما قال الأستاذ الناجي، ليست في الجسد.
الإعاقة في الفكر حين ينغلق، وفي الضمير حين يغيب، وفي القلم حين يتحول إلى وسيلة للتجريح بدل الإصلاح.

أما أصحاب الهمم الفكرية مهما اختلفت ظروفهم – فهم الأطول قامة والأوسع أفقًا، لأنهم يسيرون ببصائرهم، ويكتبون بروحهم، ويرفعون قيمة المهنة بالهدوء قبل الحدة، وبالعمق قبل الاستعراض.

ولأن الكلمة الهادئة قد تكون أقوى من الصرخة… فإن «الفاهم يفهم» دون حاجة إلى تفسير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى