الولايات المتحدة 2026

المونديال في ميزان الإنسانية: حين يتفوق نداء الأبوة على صخب المستطيل الأخضر

الأسود : ريفي مفيد محمد

 

 

 

​تضع الفعاليات الكبرى لكرة القدم، وفي مقدمتها بطولة كأس العالم، اللاعبين المحترفين تحت مجاهر النقد والتقييم المستمر، ليس فقط في جوانبهم التقنية والبدنية، بل في اختياراتهم الشخصية التي قد تتقاطع أحياناً مع مساراتهم المهنية. ولعل الواقعة الأخيرة للنجم البلجيكي جيريمي دوكو، الذي اختار حزم حقائبه ومغادرة معسكر الشياطين الحمر قبيل مواجهة حاسمة أمام المنتخب الإيراني، تشكل نموذجاً حياً لهذا التنازع القائم بين الالتزام الرياضي الوطني والواجب الإنساني العائلي.

لقد أعاد هذا القرار فتح النقاش الأزلي حول حدود الاحترافية، وما إذا كان عرس الكرة العالمي يبيح حرمان المرء من معايشة لحظة ولادة طفله الجديد، وهي اللحظة التي لا تتكرر في العمر إلا إلماحاً.

​إن قراءة هذا التصرف من زاوية إعلامية رصينة تقتضي تفكيك الدوافع والآثار، فالبعض قد يرى في خطوة دوكو نوعاً من التخلي عن الزملاء في وقت حرج يتطلب أعلى درجات التركيز والتضحية، معتبرين أن تمثيل الوطن في المحفل العالمي يأتي فوق كل اعتبار شخصي. غير أن القراءة العميقة والمختلفة للمشهد تكشف عن تحول بنيوي في عقلية اللاعب المعاصر، الذي لم يعد مجرد آلة برمجت للركض خلف الكرة، بل إنسان تحكمه أولويات وجدانية تفرض نفسها بقوة، وتجد أحياناً تفهماً من الأجهزة الفنية والإدارية التي باتت تستوعب أن الاستقرار النفسي والعاطفي للمجموعات يمر حتماً عبر احترام خصوصياتهم الأسرية ومشاركتهم تفاصيلهم الحياتية الأكثر أهمية.

​وبالإسقاط على الواقع الكروي المغربي، فإن تساؤل الجمهور حول ردة الفعل المتوقعة فيما لو أقدم نجم من أسود الأطلس على نفس الخطوة، يفتح باباً واسعاً لمقاربة سوسيولوجية ورياضية معقدة.

إن المجتمع المغربي، الذي يتنفس شغف المستطيل الأخضر ويرتبط بمنتخبه ارتباطاً وجدانياً يتجاوز حدود الرياضة إلى الانتماء القومي، يعيش في الآن ذاته على قيم أسرية متجذرة تضع الأمومة والأبوة في مرتبة عليا من التقدير والتبجيل. ومن هنا، فإن انقسام الرأي العام لجمهور الأسود سيكون حتمياً وسيدور بين تيارين، تيار يدفعه التعصب الرياضي والرغبة الجارفة في الانتصار إلى اعتبار المغادرة خذلاناً للملايين من المحبين، وتيار آخر، وهو الأقرب للواقعية العاطفية للمغاربة، سيرى في الخطوة تجسيداً لنبل المشاعر الإنسانية، خصوصاً وأن الذاكرة الكروية الوطنية القريبة تفيض بمشاهد الاحتفاء العائلي بالأمهات والآباء في المدرجات، مما جعل “العائلة” شعاراً ملهماً ومنظومة قيمية متكاملة داخل الفريق الوطني.

​في نهاية المطاف، يبقى قرار جيريمي دوكو درساً في ترتيب الأولويات الإنسانية وسط صخب الشهرة والضغط الإعلامي المونديالي.

فالألقاب والبطولات تُسجل في دفاتر التاريخ الرياضي وتخضع دائماً لمنطق التعويض والنسيان، بينما اللحظات الحميمية الكبرى في حياة الإنسان تُحفر في الوجدان ولا يمكن لأي تتويج ذهبي أن يعوض غيابها، لتظل كرة القدم، برغم عظمتها وتأثيرها في الشعوب، مجرد لعبة جميلة في عالم تحكمه مشاعر وفطرة إنسانية أكثر عمقاً وأصالة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى