العربي كورة.. قيدوم المسيرين الذي ترك بصمته في ذاكرة الكرة المغربية
الأسود:بقلم عبد القادر بلمكي

هناك رجال لا تختصرهم المناصب، ولا تقاس قيمتهم بعدد السنوات التي قضوها في مكاتب التسيير، لأن ما تركوه وراءهم أكبر من كل الألقاب والمسميات. رجال جعلوا من الرياضة رسالة، ومن التسيير مسؤولية، ومن خدمة كرة القدم المغربية واجباً لا ينتظرون عليه جزاءً ولا شكوراً.
ومن بين هؤلاء الرجال يبرز اسم العربي كورة، أحد قيدومي المسيرين الرياضيين بالمغرب، وأحد الوجوه التي بصمت بمداد من الفخر صفحات من تاريخ كرة القدم الوطنية.
اليوم، يغيب العربي كورة عن الملاعب والفضاءات الرياضية التي اعتاد أن يكون حاضراً فيها، ليس اختياراً منه، وإنما لأن المرض فرض عليه أن يبتعد عن الميدان وأن يخوض معركة مختلفة، أكثر صعوبة وصمتاً.
لكن المرض قد يغيب الجسد عن الملاعب، ولا يستطيع أن يغيب التاريخ، ولا أن يمحو ذاكرة رجل أعطى الكثير للكرة المغربية.
العربي كورة ليس مجرد مسير مر من الحقل الرياضي وانتهى أثره بانتهاء مسؤولية أو مهمة. إنه رجل جمع بين تجربة اللاعب، ودور المؤطر، ومعرفة دقيقة بقوانين اللعبة وتشريعاتها، وامتلك رصيداً من الخبرة جعل منه واحداً من أولئك الذين كانوا يعرفون تفاصيل كرة القدم من داخل الملعب وخارجه.
ومن عين السبع، حيث شب وترعرع، بدأت حكاية رجل ارتبط اسمه بالكرة وبأجيال من اللاعبين والمسيرين والمدربين. تنقل بين الملاعب والمدن، وعايش مراحل مختلفة من تطور كرة القدم المغربية، وكان حاضراً في محطات عديدة، مساهماً في التأطير والتنقيب عن المواهب ومواكبة اللاعبين وخدمة الأندية والكرة الوطنية.
وكان العربي كورة من جيل المسيرين الذين كانوا يؤمنون بأن التسيير الرياضي ليس امتيازاً، وإنما مسؤولية تحتاج إلى المعرفة والخبرة والقدرة على الحوار والدفاع عن المصلحة الرياضية.
ولعل ما يميز هذا الرجل أيضاً أنه لم يكن بعيداً عن التفاصيل القانونية والتنظيمية للعبة، بل كان من المهتمين بالتشريع الرياضي وقوانين المنافسات، الأمر الذي منحه مكانة خاصة بين أهل الميدان، وجعله مرجعاً في العديد من القضايا التي كانت تحتاج إلى الفهم والخبرة وبعد النظر.
واليوم، حين نسمع عن زيارة الزميل والصديق محمد أبو سهل للعربي كورة، فإننا لا نتوقف فقط عند الجانب الإنساني الجميل لهذه الزيارة، وإنما نستحضر معنى الوفاء الحقيقي.
وفاء لزميل، وصديق، ورجل أفنى جزءاً كبيراً من حياته في خدمة الرياضة.
لقد نقل أبو سهل صورة مؤثرة لرجل أنهكه المرض، لكن ذاكرته ظلت حاضرة، وروحه الرياضية لم تنطفئ. الكلمات أصبحت ثقيلة، والجسد أنهكه التعب، لكن العينين ظلتا تحملان الكثير من الحكايات.
وحين تستعيد الذاكرة أسماء اللاعبين والمدربين والمسيرين، والملاعب والمحطات والأحداث، فإنها تؤكد لنا أن التاريخ الرياضي لا تكتبه النتائج وحدها، وإنما تصنعه أيضاً أسماء الرجال الذين كانوا وراء تلك النتائج، والذين عاشوا تفاصيل اللعبة في أزمنتها المختلفة.
العربي كورة واحد من هؤلاء.
إنه من جيل كان يؤمن بأن الرياضة أخلاق قبل أن تكون منافسة، وأن الصداقة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء المباريات، وأن الوفاء للإنسان يظل واجباً خصوصاً عندما تشتد عليه المحن.
ولذلك، فإن الحديث عن العربي كورة اليوم ليس حديثاً عن المرض، بقدر ما هو حديث عن مسيرة رجل رياضي يستحق أن يُكرّم بالكلمة قبل أن يكرّم بأي شيء آخر.
فكم من رياضي ومسير ومؤطر ولاعب استفاد من تجربة هذا الرجل؟ وكم من حكاية بقيت في ذاكرته؟ وكم من جيل مر أمامه وترك في نفسه أثراً، وترك هو بدوره أثراً في مسيرته؟
هذه هي قيمة الرجال الحقيقيين.

قد تتغير الملاعب، وتتبدل الأجيال، وتتغير أسماء المسؤولين، لكن ذاكرة الرياضة تحتفظ دائماً بمن خدموها بإخلاص.
والعربي كورة واحد من الذين يستحقون أن تظل أسماؤهم حاضرة في هذه الذاكرة.
كلمة وفاء للزميل محمد أبو سهل
وفي ختام هذا الكلام، لا بد لنا من أن نتوجه بكلمة تنويه وتقدير وشكر جزيل إلى الزميل والصديق محمد أبو سهل، الذي لم يكتفِ بزيارة رجل أنهكه المرض، وإنما حمل معه معنى الوفاء الحقيقي، وذكّرنا بشخصية رياضية فذة كادت أن تغيب عن ذاكرة الأجيال الجديدة.
لقد كان ما كتبه أبو سهل أكثر من مجرد موضوع صحفي؛ كان شهادة وفاء في حق رجل يستحق أن يُذكر ويُكرّم، ونافذة أعادتنا إلى مسيرة العربي كورة، المسير والمؤطر والمربي، وإلى جيل من الرجال الذين أعطوا للكرة المغربية من وقتهم وتجربتهم وجهدهم الكثير.
فشكراً للزميل محمد أبو سهل على هذه الالتفاتة الإنسانية والرياضية النبيلة، وشكراً له لأنه جعلنا نتوقف أمام اسم وقامة رياضية تستحق كل التقدير والاحترام.
إن تكريم الرجال لا يكون فقط عند اعتزالهم أو رحيلهم، وإنما يكون أجمل وأصدق وهم بيننا، يسمعون كلمة الوفاء ويشعرون بأن ما قدموه لم يذهب سدى.
واليوم، ونحن نستحضر العربي كورة، فإننا نستحضر معه جيلاً من المسيرين والمؤطرين والمربين الذين صنعوا جزءاً من ذاكرة الكرة المغربية.
دعاء بالشفاء
العربي كورة، لقد أعطيت لكرة القدم المغربية الكثير، وكنت واحداً من الرجال الذين بصموا تاريخها بتجربتهم وحضورهم وإخلاصهم. وإذا كانت الملاعب قد افتقدت حضورك اليوم، فإن محبتك ومكانتك لم تغبا عن قلوب كل من عرفوك وعايشوا مسيرتك.
نسأل الله العلي القدير أن يلبسك ثوب الصحة والعافية، وأن يخفف عنك الألم، وأن يعيدك إلى أهلك وأصدقائك ومحبيك سالماً معافى.
اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً.
شفاك الله يا سي العربي، وأطال الله في عمرك، وأعاد إليك عافيتك.
فبعض الرجال لا يغيبون حين يغيبون عن الملاعب… لأنهم يسكنون في ذاكرة الرياضة وقلوب من عرفوا قيمتهم.




