أخبار متنوعة

حين تُقصى قاطرة الرياضة المدرسية… هل تُنقذ “الأنشطة الحركية” المدرسة أم تُفرغها من روح المنافسة؟

الأسود :عبد القادر بلمكي

أثار صدور المذكرة الوزارية الخاصة ببرمجة البطولات الوطنية للرياضة المدرسية، والتي لم تُدرج ألعاب القوى وكرة القدم ضمن أنشطة التعليم الابتدائي والمراكز الرياضية، موجة واسعة من الجدل والاستياء في صفوف أساتذة التربية البدنية والرياضية، الذين اعتبروا القرار مفاجئًا، وذا أثر مباشر على المتعلمين وعلى دينامية الرياضة المدرسية برمتها.
القرار، الذي يقضي بالاقتصار على ما سُمّي بـ“الأنشطة الحركية” وإقصاء تلاميذ التعليم الابتدائي من المشاركة في بطولات ألعاب القوى وكرة القدم، جاء – حسب عدد من الأساتذة – دون تمهيد أو تدرج، وفي وقت كانت فيه المؤسسات التعليمية قد شرعت فعليًا في الاستعداد للمنافسات المعهودة، ما خلق حالة من الارتباك داخل المؤسسات، وأصاب التلاميذ بخيبة أمل واضحة.
بين المنظور العلمي والواقع الميداني
المدافعون عن هذا التوجه يستندون إلى مرجعيات علمية وتربوية دولية، تؤكد خطورة التخصص الرياضي المبكر، وتدعو إلى تنويع الأنشطة الحركية في سن الطفولة من أجل تنمية القدرات الحركية العامة، والتوازن العصبي والوجداني، وتفادي الإصابات والاحتراق الرياضي المبكر. وهو طرح تؤكده برامج معتمدة عالميًا، من قبيل Kids’ Athletics، التي وُضعت خصيصًا لهذه الفئة العمرية.
غير أن عددا من أساتذة الميدان يطرحون أسئلة جوهرية حول منطق التنزيل الانتقائي لهذا التوجه، متسائلين:
إذا كان التخصص المبكر مضرًا من الناحية العلمية، فلماذا يقتصر المنع على التعليم الابتدائي فقط؟ ولماذا تستمر فئات البراعم والصغار في التعليم الإعدادي في المشاركة في مختلف الأنشطة المبرمجة؟ ثم كيف يمكن تفسير استمرار الجامعات الملكية، وطنيا ودوليا، في تنظيم بطولات وبرامج لهذه الفئات نفسها؟

قرار عمودي أم إصلاح متوازن؟

النقاش داخل الجسم التربوي لا يرفض مبدأ الأنشطة الحركية في حد ذاته، بل يدعو إلى مقاربة أفقية ومتدرجة، تحافظ على المكتسبات السابقة، وتُدرج الأنشطة الحركية كرافد إضافي، لا كبديل إقصائي. فحسب عدد من المتدخلين، فإن ألعاب القوى وكرة القدم لا تمثلان فقط نشاطين رياضيين، بل تشكلان قاطرة الرياضة المدرسية، ومدخلاً أساسياً لاكتشاف المواهب، وتحفيز التلاميذ على الانخراط والاستمرارية.
ويحذر الأساتذة من أن حرمان فئة كاملة من المشاركة في البطولات المدرسية قد ينعكس سلبًا على الدافعية، وعلى مبدأ تكافؤ الفرص، خاصة في ظل حديث متكرر عن توسيع قاعدة الممارسة، وإنصاف فئات كانت إلى وقت قريب خارج دائرة المنافسة.

دعوة إلى الحوار بدل القرارات الفوقية

أجمع أغلب المتدخلين على أن الإشكال لا يكمن في النوايا، بل في طريقة التنزيل. فالإصلاح الحقيقي، حسبهم، يمر عبر إشراك الفاعلين الميدانيين، والاستماع إلى الخبرة التربوية للأساتذة، بدل الاكتفاء بقرارات فوقية تُبنى على أرقام ونظريات، دون استحضار البعد الإنساني والعاطفي للطفل.
وفي هذا السياق، يبرز مطلب تنظيم يوم دراسي وطني حول الرياضة المدرسية في التعليم الابتدائي، بحضور مسؤولي مديرية الرياضة المدرسية، والمفتشين، وأساتذة التربية البدنية، وخبراء في علوم الحركة والطفولة، من أجل نقاش علمي وهادئ، يُفضي إلى تصور متوازن، يحمي صحة الطفل، دون أن يُفرغ الرياضة المدرسية من روحها التنافسية والتربوية.
فالرياضة المدرسية، في نهاية المطاف، ليست مجرد أنشطة مبرمجة، بل مشروع تربوي مجتمعي، وأي قرار يمسّ جوهرها، يستحق نقاشًا وطنيًا واسعًا… قبل فوات الأوان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى