تبخيس شهادة الحزام الأسود وتحويلها من شهادة استحقاق إلى بضاعة تجارية بدون قيمة
الأسود : متابعة

في رياضات الفنون القتالية،، ظلت شهادة الحزام الأسود على امتداد سنوات طويلة رمزا للاستحقاق والتضحية والانضباط، وكانت هذه الشهادة دوما تاجا لمسار رياضي شاق لا يختصر في لون يضاف إلى الزي، أو مجرد وثيقة تسلم في مناسبة عابرة، بل كانت اعترافا بمستوى من الكفاءة يفترض أن يكون ثمرة سنوات من التدريب والتدرج والتكوين والاحتكاك بالمنافسات والاختبارات. فالوصول إلى هذه المرتبة كان يتطلب، في المسار التقليدي، رحلة قد تمتد لأربع إلى ست سنوات أو أكثر، تبدأ من الدرجات الأولى مرورا بمختلف المستويات وصولا إلى الحزام البني، إلى جانب المشاركة في التداريب التكوينية والبطولات الرسمية والخضوع لاختبارات تقيس المستوى الحقيقي للممارس، ولذلك ظل العديد من المدربين يشبهون الحزام الأسود بـ”البكالوريا الرياضية” ، وذلك باعتباره محطة تفتح لصاحبه آفاقا جديدة في مجال التكوين والتأطير والتدريب. غير أن هذه القيمة الرمزية والتقنية بدأت تتعرض، بحسب ما يثيره عدد من الفاعلين في الميدان، ومنذ أشهر قليلة فقط لعملية تبخيس وتمييع مقلقة، بعدما تحولت الشهادة لدى البعض من ثمرة للاستحقاق إلى وسيلة للتربح السريع أو أداة للاستقطاب، وفي ظل ممارسات يقال إنها تتم بعيدا عن المعايير القانونية والتقنية والقنوات الرسمية المعتمدة من الجهات الرياضية الوصية.
ولعل الأكثر إثارة للقلق حاليا ، أن تصبح اختبارات الحزام الأسود شأنا داخليا لبعض الجمعيات، تجرى بطريقة لا تختلف كثيرا عن اختبارات الدرجات الأولى للمبتدئين، وبمتغير واحد فقط يتمثل في حضور شخص لا قيمة تقنية أو إدارية له، يتم تقديمه كمسؤول جامعي دون أن تكون له أصلا هذه الصفة ، وهو الأمر الذي يجعل السؤال مشروعا حول القيمة الحقيقية لشهادة يفترض أن تكون عنوانا للكفاءة والاستحقاق. إن خطورة هذا الوضع لا تتوقف عند حدود تبخيس قطعة من القماش لونها أسود أو شهادة ورقية عليها درجة معينة من هذا الحزام ، وإنما تمتد إلى ضرب مصداقية الرياضة نفسها، والإساءة إلى أبطال وممارسين أفنوا سنوات من شبابهم في التدريب والتضحيات حتى بلغوا هذه المرتبة بجدارة، فضلا عن إمكانية إنتاج جيل من “المدربين الوهميين” الذين يحملون شواهد لا تعكس بالضرورة مستوى كفاءتهم أو تجربتهم، وهو ما قد تكون له انعكاسات خطيرة على الأجيال الجديدة التي تضع ثقتها في هؤلاء المؤطرين.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تدخل جاد ومسؤول من الجامعات الرياضية ومن الوزارة الوصية ، من أجل حماية قيمة الحزام الأسود، وتوحيد معايير الحصول عليه، وتشديد المراقبة على مساطر الاختبار ومنح الشواهد، والتأكد من احترام القنوات الرسمية والاعتمادات القانونية، لأن التساهل مع هذه الممارسات يعني ببساطة تحويل رمز كان يوما عنوانا للجدارة إلى مجرد سلعة تباع وتشترى دون أدنى وازع أخلاقي . فالحزام الأسود ليس امتيازا تجاريا ولا ورقة للاستقطاب، وإنما أمانة ومسؤولية، ومن يحمله يفترض أن يمثل مستوى من المعرفة والخبرة والانضباط يؤهله لتكوين جيل كامل، ولذلك فإن الحفاظ على قيمته ليس دفاعا عن شهادة فحسب، بل دفاع عن كرامة الرياضة ومصداقيتها وتاريخ كل من أفنى سنوات عمره فوق البساط حتى يستحقها.





