عندما يتحول كرسي الرئاسة إلى غاية… هل بدأت الوزارة تنظيف البيت الرياضي؟
بقلم: عبد القادر بلمكي

لم يعد ملف الجامعة الملكية المغربية للهوكي على الجليد مجرد خلاف عابر بين رئيس جامعة وبعض الفاعلين الرياضيين، بل أصبح نموذجاً لواقع تسييري يطرح أكثر من علامة استفهام حول احترام القوانين والأنظمة المؤطرة للجامعات الرياضية.
فبعد أن خصصنا سلسلة من المتابعات الصحفية لهذا الملف، وتوقفنا عند وضعية الجامعة، وانتهاء ولاية الرئيس، والجدل المرتبط بشرعية استمرار المكتب في ممارسة مهامه، بدأنا نتلقى اتصالات من عدد من الفاعلين الرياضيين الذين أكدوا أن ما يحدث في الهوكي على الجليد ليس حالة منفردة.
والرسالة التي وصلت إلى الموقع كانت واضحة: هناك جامعات رياضية أخرى تعيش بدورها مشاكل تسييرية، وجموع عامة متأخرة أو متعثرة، وبطولات لم تنطلق في موعدها، ومسؤولون يتمسكون بكراسيهم رغم انتهاء المراحل القانونية التي تسمح لهم بالاستمرار.
وهنا بالضبط تبدأ مسؤولية الإعلام في طرح السؤال الأكبر: هل يتعلق الأمر بحالات فردية، أم أن هناك إشكالاً أوسع يحتاج إلى تدخل مؤسساتي؟
من الهوكي على الجليد إلى الهوكي على العشب
من بين الملفات التي بدأت تصلنا، ملف الجامعة الملكية المغربية للهوكي على العشب، التي يعيش عدد من مكوناتها بدورها حالة من الاحتقان والمشاكل التسييرية، وهو ما دفع بعض الفاعلين إلى التحرك ومراسلة السيد وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، مطالبين بالتدخل العاجل وإنصاف المتضررين، ووضع حد لوضعية يرون أنها أصبحت تستوجب تدخلاً مؤسساتياً.
وهنا لا بد من التأكيد على نقطة أساسية: لسنا في موقع إصدار الأحكام أو الحلول محل الوزارة أو القضاء، وإنما ننقل ما يثار من تساؤلات وشكايات، ونطالب بفتح الباب أمام التحقق منها والاستماع إلى جميع الأطراف.
فالجامعة الرياضية ليست ملكاً للرئيس، ولا المكتب الجامعي شركة خاصة، والكرسي الانتخابي ليس امتيازاً أبدياً.
الرئاسة مسؤولية محددة بالقانون والأنظمة الأساسية، والانتخابات وسيلة لاكتساب الشرعية، وانتهاء الولاية يفتح الباب أمام المساطر القانونية التي تضمن استمرار المؤسسات الرياضية في إطار الشرعية.
المادة 23… والقانون فوق الجميع
لقد سبق أن أثارنا في ملف الهوكي على الجليد مسألة المادة 23 من القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، باعتبارها جزءاً من الإطار القانوني الذي يجب أن يحكم عمل الجامعات الرياضية.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط حول جامعة بعينها، وإنما حول مدى احترام جميع الجامعات الرياضية للقانون والأنظمة الأساسية، ومدى قدرة المسؤولين على مغادرة مواقع المسؤولية عندما تنتهي ولاياتهم أو عندما يصبح استمرار الوضعية محل إشكال قانوني.
لأن احترام القانون لا يمكن أن يكون انتقائياً.
فإذا كان القانون ينظم طريقة انتخاب المسؤولين ومدد ولاياتهم وشروط استمرار الأجهزة في ممارسة اختصاصاتها، فلا يمكن لأي رئيس أن يعتبر أن كرسي الرئاسة أصبح ملكية شخصية لا تنتهي إلا بإرادته.
تحرك الوزارة… خطوة تستحق المتابعة
وللإنصاف، فإن ما يهمنا في هذه المرحلة هو الإشارة إلى أن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة وقطاع الرياضة بدآ، حسب المعطيات التي تصلنا، في التحرك بشأن عدد من الملفات والجامعات التي تثار حولها إشكالات قانونية وتدبيرية.
وهذا التحرك، إن تأكد واتخذ المساطر القانونية اللازمة، فهو أمر إيجابي.
فالرياضة الوطنية في حاجة إلى مؤسسات قوية، منتخبة، شفافة، وقادرة على تنظيم البطولات وتكوين الرياضيين والدفاع عن مصالح الرياضة المغربية، وليس إلى أجهزة تعيش على الخلافات والجمود وتأجيل الجموع العامة.
وقد يكون من بين الحلول التي يمكن للوزارة اللجوء إليها، وفق ما يسمح به القانون والمساطر المعمول بها، تعيين لجان مؤقتة لتدبير بعض الجامعات التي تعذر عليها ضمان السير العادي للمرفق الرياضي أو تنظيم جموعها في إطار قانوني سليم، إلى حين تصحيح الوضعية وانتخاب أجهزة جديدة وفق القواعد الجاري بها العمل.
لكن الأهم هو أن يتم ذلك في إطار واضح وشفاف، وبعد دراسة كل ملف على حدة، والاستماع إلى جميع الأطراف، حتى لا تتحول المعالجة إلى مشكلة جديدة.
كرة الثلج تكبر…
ما بدأناه كمتابعة لملف جامعة الهوكي على الجليد دفع، بشكل غير متوقع، عدداً من الفاعلين في جامعات أخرى إلى التواصل معنا وطرح ملفاتهم.
وهنا يجب أن نتوقف.
فالصحافة لا تستطيع ولا ينبغي لها أن تكون بديلاً عن الوزارة أو أجهزة الرقابة أو القضاء، لكنها تستطيع أن تضع الملفات أمام الرأي العام، وأن تسأل، وأن تبحث عن الوثائق، وأن تمنح حق الرد لجميع الأطراف.
ومن هذا المنطلق، فإننا نعلن أن أبواب الموقع ستظل مفتوحة لكل من لديه ملف موثق حول سوء التدبير أو تعثر الجموع العامة أو توقف المنافسات أو أي إشكال قانوني داخل جامعة رياضية، مع الالتزام بحق الرد والتحقق من المعطيات قبل نشرها.
فالهدف ليس تصفية الحسابات مع هذا الرئيس أو ذاك.
الهدف هو شيء واحد: رياضة مغربية تحترم القانون.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يتحمل مسؤولية داخل جامعة رياضية بسيطة وواضحة:
الرئاسة تكليف وليست تشريفاً، والجامعة مؤسسة رياضية وليست ملكية شخصية، والكرسي الذي تمنحه القوانين والانتخابات لا يمكن أن يصبح أبدياً خارج القانون.
وإذا كانت الوزارة قد بدأت فعلاً في فتح هذه الملفات، فإن الرأي العام الرياضي ينتظر منها أن تواصل العمل بنفس الجدية، وأن تطبق القانون على الجميع دون استثناء.
فمرحلة جديدة من الحكامة الرياضية لا تبدأ بكثرة الشعارات، وإنما تبدأ عندما يصبح القانون فوق الرئيس… والمؤسسة فوق الأشخاص.
تحية مستحقة للوزارة وقطاع الرياضة
وفي خضم هذه الملفات، لا بد من تسجيل تنويه مستحق بالسيد الوزير على الاهتمام الذي يوليه للملفات الرياضية الشائكة، وعلى إعطائه الأولوية لمعالجة الاختلالات التي من شأنها أن تسيء إلى صورة الرياضة المغربية ومؤسساتها.
فالجامعات الرياضية، مهما كانت أسماؤها أو حجمها، ليست فوق القانون، ولا يمكن أن تستمر في العمل في ظل الفوضى أو خارج الضوابط القانونية والتنظيمية التي تؤطر الحركة الرياضية الوطنية.
كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي بدأ يضطلع به قطاع الرياضة، وعلى رأسه السيد مدير الرياضة، من خلال تتبع هذه الملفات وبذل جهود كبيرة من أجل وضع حد لكل الممارسات التي قد تشكل خرقاً للقوانين أو خروجاً عن المساطر المنظمة للجامعات الرياضية.
وهنا نقولها بوضوح: من يحترم القانون لا يخشى المحاسبة، ومن يرفض الاحتكام إلى القانون عليه أن يتحمل مسؤولية موقفه.
والرياضة المغربية اليوم في حاجة إلى مسؤولين يؤمنون بأن المناصب الرياضية مسؤولية مؤقتة، وليست امتيازاً دائماً، وأن التداول على المسؤولية واحترام القوانين والأنظمة الأساسية هو الذي يمنح المؤسسات الرياضية قوتها ومصداقيتها.
لذلك، فإن أي خطوة تقوم بها الوزارة وقطاع الرياضة من أجل ترتيب وضعية الجامعات التي تعيش اختلالات قانونية أو تسييرية، تستحق التنويه، شريطة أن تتم وفق القانون، وبنفس المعايير على الجميع، ودون استثناء أو انتقائية.
فالرسالة التي ينبغي أن تصل اليوم إلى كل مسؤول رياضي واضحة:
زمن الإفلات من احترام القوانين يجب أن ينتهي، وزمن اعتبار الجامعة ملكاً شخصياً يجب أن ينتهي أيضاً.
ومن هنا، فإن تحرك الوزارة وقطاع الرياضة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره استهدافاً للأشخاص، وإنما باعتباره تصحيحاً للمسار وحماية للرياضة المغربية من كل ما من شأنه أن يسيء إلى صورتها ومؤسساتها.




