البطولة الاحترافية إنوي1

شغب الملاعب بالمغرب بين مونديال 2030 وفشل المقاربات الأمنية

الأسود : محمد عمامي

 

 

سبق وأن طرحنا في العديد من مقالاتنا السابقة أهمية دراسة الظواهر المرتبطة بتطور المجتمعات الحديثة في تفاعلها مع مختلف المستجدات، وأهمية الدراسة السوسيولوجية المعمقة في فهم نزوعات الشباب عموما وتمثلها لكل ما هو جديد وغير معتاد. وركزنا على أهمية الفهم وتكوين صورة طبق الأصل لكيفية استقبال الظاهرة الجديدة والتفاعل معها من زاوية نظر الشاب في استحضار لبيئة الولادة ووضعية الآباء والمحيط وظروف التنشئة الاجتماعية عموما. إن أهمية الدراسات السوسيولوجية في فهم ما يجري يعتبر المدخل الأساسي لصياغة الحلول ونجاعتها في القضاء أو على الأقل التحكم في وتيرة انتشار الظاهرة. وإلا سيكون الحل السهل، وربما الخاضع لأهواء فئة من المسؤولين، هو الأقرب للتبني، وربما هذا ما ينطبق على ظاهرة شغب الملاعب في بلادنا.

المسألة لم تعد تقتضي المقاربة الأمنية وحدها، والتي تعتبر قاصرة عن فهم ما يجري داخل نفسية الشباب المغربي عامة، ومحبي كرة القدم والفرجة داخل الملاعب خاصة. الظاهرة تحمل في طياتها الكثير من الخطورة كونها تؤدي لخسائر فادحة في الأرواح والمعدات والتجهيزات والتسهيلات المرصودة أولا وأخيرا لمصلحة المتفرج، هذا إذا لم يتحول العنف والعنف المضاد خارج الملعب ليولد عنه تكسير ممتلكات المواطنين اللذين لا علاقة لهم بالكرة أصلا.

أما المقصود بفهم نفسية الشباب، خارج منظومة الوقاية الأمنية والترسانة اللوجيستيكية والبشرية الثقيلة التي يتم توظيفها قبل كل مباراة في تبذير واضح للكثير من مقدرات الشعب، فهو الانكباب على الظاهرة من طرف أهل الإختصاص وجمع كل المهتمين من علماء نفس، ودكاترة مهتمين بعلوم التربية عموما، ومدربين، ومؤطرين حول نفس الطاولة. تنويع زاوية المعالجة، خارج إطار المقاربة الأمنية، من شأنه أن يفتح باب النقاش حول إشكاليات كبيرة مسببة لظاهرة الشغب بالملاعب بشكل مباشر أو غير مباشر. الإنكباب على مجالات التنشئة الاجتماعية ومن يربي من ؟ ودور الأسرة؟ ودور المدرسة؟ ودور النادي الرياضي؟ ودور الجمعيات التي تعيش على أموال دافعي الضرائب ولا يظهر لها أي وقع في الشارع؟ ودور الأحزاب كذلك؟ ودور الوزارات والهيئات والمجتمع المدني …المكلفة بالشباب ومن يتحمل مسؤولية الملايين من الشباب خارج حجرات الدرس، واللذين يملأون الشوارع والأزقة في الأوقات المتأخرة من الليل دون أي نوع من المراقبة ودون أي برنامج أو هدف خارج حب فريق لكرة القدم.

فالشباب يحتاج لمواكبة لصيقة في أوقات حرجة يصل فيها الشاب لمفترق الطرق بعد أن يغادر حجرات الدرس أو حتى أثنائها، حيث يكون عرضة لتشنج العلاقة مع والديه وأقاربه، كونه يحمل تمثلا طوباويا لما يجب أن تكون عليه العلاقة الأسرية. ومن هنا تبدأ القطيعة واتساع الهوة بينه وبين كل ما من شأنه أن يحد من حريته ليلعن التنظيم والقانون ومؤسسات الدولة ويصبح مشروع شاب متمرد على القيم والنظام والآخر بشكل عام. اختلاط الأحاسيس وتضاربها يخلق نوعا من العدوانية والكراهية التي تترجم لأسلوب ساقط لا يعترف بالحواجز خصوصا داخل المجموعة التي يحس أن بينه وبينها روابط مشتركة. وبما أن الملعب هو الفضاء الوحيد الذي يجد فيه الشاب متنفسا للتعبير عن مكنوناته، فيكفي لأي شرارة بسيطة ليفسح الشاب المجال لقوة داخلية، لم يفكر أحد في تفجيرها الإيجابي، لتكسر وتضرب وتسب وتلعن وتعبر عن مكبوتات يجب فهمها ولجمها قبل فوات الأوان.

في خلاصة سريعة حول ظاهرة الشغب التي تثور بين الفينة والأخرى، مؤكدة أن لا علاقة لها ب”بعض المحسوبين على الفريق”، كما يحلو لبعض من أوصلونا للباب المسدود أن يجتهدوا في توصيفها. الظاهرة بنيوية، نحمد الله على أنها لا تصل للمستويات الخطيرة لا قدر الله. الظاهرة تستوجب أن يتحمل كل قطاع مسؤوليته بعيدا عن الشعارات الجوفاء لأن الورش كبير ومعقد بالفعل، ويمكن للعمل عليه أن تكون له انعكاسات إيجابية على مستقبل المغرب ككل. الاستحقاقات القادمة على مستوى المملكة تتطلب شبابا في مستوى كبير من الوعي يعرف حقوقه وواجباته، وقد لا يحتاج لمن يقف مدججا أمامه إذا كان هو نفسه مسلحا بسلاح الوعي والعلم والمسؤولية الاجتماعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى