بطولة العالم لألعاب القوى طوكيو 2025: صناعة الأبطال بين العوامل الوراثية وتطور المختبرات
الأسود: محمد عمامي

لا شك أن الرياضة عموما وألعاب القوى بصفة خاصة لم تعد كما كانت تعتمد على العوامل الوراثية والقوى البدنية والعضلية الخام. لقد أصبح من الواضح أن إعداد الأبطال أصبح صناعة قائمة الذات تعتمد شفرتها السرية على ما يجري في دهاليز المختبرات العملاقة التي تعتمد توظيف التكنولوجيا الحديثة وتستغل عوامل النجاح التي راكمها الذكاء الاصطناعي وقوة الذكاء البشري في استشراف المستقبل والعمل على الرفع من مستوى الأداء بمراعاة الخصائص المثالية للجسم البشري وحسب ما يتطلبه كل تخصص رياضي على حدة.
وإذا كان تخصص الركض خاصة على مستوى المسافات المتوسطة والطويلة تخصصا كينيا وإثيوبيا بناء على ما تم الإشارة إليه من عوامل وراثية ككتلة القلب والكتلة العضلية وقدرة الشرايين على ضخ الدماء والملكة الغريزية في الركض لمسافات طويلة والقدرة على تحمل الإيقاع المرتفع…إضافة لموقع البلدان الجغرافي بالمقارنة مع مستوى سطح البحر، مع بعض المنافسة من هنا وهناك، فإن نتائج المسابقات اليوم تؤسس بما لا يدع مجالا للشك لمرحلة جديدة تغيرت فيها خارطة ألعاب القوى العالمية.
ولعل المتتبع العادي لمجريات بطولة العالم لألعاب القوى المقامة حاليا بالعاصمة اليابانية طوكيو يدرك إلى أي حد تمكنت صناعة الأبطال من ربح الرهان وقلب المعتقدات السائدة بخصوص قوة الخصائص الفيزيولوجية والوراثية والبدنية على حساب الإعداد الجسماني الحديث وإدماج التكنولوجيا الحديثة في صناعة الأبطال. بلدان كثيرة مثل كينيا وإثيوبيا والمغرب ودول أوربا الشرقية التي اعتمدت الموهبة والقدرات الشخصية الوراثية سلمت المشعل لدول متقدمة علميا وصناعيا، خصصت الميزانيات المهمة من أجل تشخيص أفضل للقدرات البدنية وهيأت الوسائل الكفيلة بالرفع من القدرة البدنية والوصول بالأداء لأقصى ما يتحمله الجسم البشري مع توظيف ملحوظ لخبراء من مختلف التخصصات لدرجة برمجة حياة البطل بأدق تفاصيلها وعدم ترك أي عنصر خارج الحسابات.
ففي سباق 5000 متر الذي كان تخصصا إفريقيا بامتياز فاز بالميدالية الذهبية عداء أمريكي وبالفضية عداء بلجيكي وبالنحاسية عداء فرنسي ولم يصعد أي عداء خارج أوربا وأمريكا لمنصة التتويج. وفي سباق 10000 متر كذلك حصل العداء الفرنسي صاحب نحاسية 5000 متر على ذهبية السباق في إنجاز غير مسبوق لألعاب القوى الفرنسية وبعدائين فرنسيي الأصل وغير مجنسين. وفاز عداء سويدي بالميدالية النحاسية في الوقت الذي فاز فيه عداء إثيوبي بالميدالية الفضية. وفي مسافة 3000 متر موانع شاهدنا جميعا وبالكثير من الحسرة فوز عداء من نيوزيلاندا بالميدالية الذهبية بعد سرعة نهائية مدهشة لم يتخيلها أحد بعد سباق شاق ومتعب ويتطلب الكثير من الصبر والجلد. وفي سباق 1500 فاز العداء البرتغالي رغم أن جنسيته الأصلية مغربية ولكن الأكيد أنه صقل موهبته هناك، والأكيد أيضا أنه لو بقي هنا في المغرب لما حلم بالذهب ولما حقق حتى الرقم المؤهل لمونديال طوكيو.
خريطة ألعاب القوى في تحول دائم طبقا لما أشرنا إليه في هذا المقال وأكيد أننا في الوقت الذي نلاحظ فيه ما يجري أكيد أنهم هناك جمعوا ما يكفي من الفيديوهات والنتائج والتحاليل والتقارير…التي انكبوا على تمحيصها ودراستها وبدأوا التهييئ الفعلي للاستحقاقات القادمة.




