انكسار في الأمتار الأخيرة.. المنتخب المغربي يُنهي رحلة “الحلم الإفريقي” وصناعة البطل لا تتوقف عند عثرة
الأسود : ريفي مفيد محمد

تلك هي كرة القدم في أبهى تجلياتها وأقسى دروسها، لا تعترف إلا بخواتيم الأمور، ولا تمنح ودّها إلا لمن يطوع تفاصيلها الدقيقة حتى الصافرة النهائية. فبعد مسارٍ اتسم بالصلابة والاكتساح، شهد خمسة انتصارات وتعادلاً وحيداً، توقفت رحلة “أسود الأطلس” في المحطة الختامية، لتتبخر أحلام التتويج بلقبٍ كان قاب قوسين أو أدنى من الأيادي، في ليلةٍ غاب فيها التركيز وحضرت فيها مرارة الخسارة.
و لم يكن المنتخب الوطني في أفضل حالاته خلال الموقعة النهائية، حيث ظهرت فجوات تقنية وفنية حالت دون فرض الإيقاع المعتاد. فبين تأخر في القراءة التكتيكية من دكة البدلاء، وعدم تقديم بعض العناصر للفاعلية المنتظرة، وجد “الأسود” أنفسهم أمام خصمٍ اتسم بالتنظيم العالي والقدرة على استدراج لاعبينا إلى خارج أجواء المباراة “ذهنياً”.
لقد نجح المنافس في نصب فخ المشاحنات الجانبية، مما أفقد العناصر الوطنية بوصلة الهدوء والتركيز اللازمين لفك شفرات دفاعات الخصم.
ورغم القسوة التي خلفتها الهزيمة في نفوس الجماهير التي ملأت المدرجات وآمنت باللقب، إلا أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن كتيبة وليد الركراكي لم تبخل بقطرة عرق واحدة،فمشاهد الحسرة والدموع التي ارتسمت على وجوه اللاعبين عقب الصافرة، كانت أصدق تعبير عن حجم الرغبة التي كانت تحدوهم لكتابة التاريخ. لقد قاتلوا، ركضوا، وضحّوا، لكن “اللمسة الأخيرة” والجزئيات البسيطة- التي لولاها لكان الحديث اليوم عن إعجاز تاريخي – كانت هي الفيصل.
و بعيداً عن لغة العاطفة أو جَلد الذات، يظل وليد الركراكي مهندس العودة المغربية إلى الواجهة القارية.
فقيادة المنتخب إلى نهائي كأس أمم إفريقيا بعد قطيعة استمرت 22 عاماً (منذ دورة 2004) ليس إنجازاً عابراً، بل هو كسر لعقدة زمنية طويلة من الإخفاقات.
ورغم الانتقادات التي قد تطال بعض خياراته البشرية أو تمسكه بأسماء معينة، إلا أن الركراكي أثبت أنه يملك مشروعاً وشخصية قوية. لقد قدم نموذجاً للمدرب المتواصل بصدق، والممثل المشرف للكرة الوطنية في المحافل الدولية، مكرساً مبدأ أن “الخطأ هو جزء أصيل من عملية التعلم والبناء”.
إن ضياع اللقب في المحطة الأخيرة لا يعني بأي حال من الأحوال هدم المعبد، فالمسار الذي خطه المنتخب المغربي في هذه البطولة يعكس جدية في العمل والتزاماً بالهوية الوطنية.
إن ركلة جزاء ضائعة أو تفصيل تكتيكي لم يُسعفنا، لا يجب أن يحجب الرؤية عن حقيقة أننا نملك نواة لمنتخب قوي قادر على المنافسة لسنوات قادمة.
لقد خسرنا الكأس، لكننا ربحنا منتخباً يعيد الهيبة، ومدرباً يملك الشجاعة لتحمل المسؤولية. والآن، حان وقت التحليل الهادئ وتصحيح المسار، فالبطولات الكبرى تُكسب بالاستمرارية، والكرة المغربية اليوم باتت تسير في الطريق الصحيح، وإن تعثرت في خطوة النهاية.




